"المستقلة للانتخاب" تعيد تشكيل المشهد الحزبي
قرر مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب الموافقة على تغيير اسم حزب جبهة العمل الإسلامي ليصبح "حزب الأمة"، وذلك تنفيذا لأحكام قانون الأحزاب السياسية النافذ، الذي يحظر في المادة (5) منه تأسيس أحزاب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية. وقد أثار هذا القرار العديد من التساؤلات القانونية والسياسية حول توقيته وأهدافه ومبرراته، خاصة أن الحظر المتعلق بالطبيعة الدينية أو الطائفية أو العرقية للأحزاب السياسية ليس نصا مستحدثا في القانون الأردني الحالي، بل ورد في قوانين سابقة بصيغ مختلفة، دون أن يسبق لأي من أجهزة الدولة التي كانت مسؤولة عن إدارة الأحزاب أن تعاملت معه بهذه الكيفية.
إن هذا التوجه من قبل الهيئة المستقلة للانتخاب يرتبط ارتباطا وثيقا بحقها في تفسير نصوص قانون الأحزاب السياسية بالطريقة التي تراها مناسبة، وبما يتوافق مع ولايتها الدستورية على النظام الحزبي برمته. فقد جرى في عام 2022 تكريس الولاية الكاملة للهيئة المستقلة للانتخاب في إدارة كافة الشؤون المتعلقة بالأحزاب السياسية، من حيث تسجيلها ابتداء ومتابعة مدى التزامها بنصوص القانون.
لقد عكست هذه الخطوة القانونية، في تعامل الهيئة المستقلة للانتخاب مع أحد أكبر الأحزاب الأردنية، تحولا جذريا في بنية الحياة السياسية والحزبية الوطنية. فلم يعد دور الهيئة مقتصرا على متابعة الجوانب الإدارية والفنية في العملية الانتخابية، بل امتد ليشمل الإشراف على تنظيم العمل الحزبي ضمن إطار دستوري متكامل يقوم على تفسير النصوص القانونية ذات الصلة وتطبيقها. ويأتي ذلك انسجاما مع فلسفة التعديلات الدستورية وغاياتها، التي ربطت الأحزاب السياسية بالهيئة المستقلة للانتخاب، ووسعت من اختصاصاتها، لتنتقل من إدارة العملية الانتخابية إلى المساهمة في تنظيم المجال السياسي والحزبي ذاته، والذي يتقاطع بشكل كبير مع إجراء انتخابات نيابية على أساس حزبي وبرامجي.
ومن هنا، فإنه لا يمكن لأي جهة، مهما كانت، أن تتمسك بفكرة الحقوق المكتسبة، أو بأن عقودا من الزمن قد مضت على ممارسة العمل الحزبي تحت مسمى حزب جبهة العمل الإسلامي دون أي تحرك رسمي، أو أن تتمسك بحرفية نص قانوني كان دائما يحظر قيام الأحزاب الأردنية على أسس دينية. فهذه المقاربة لا تنال من أحقية الهيئة المستقلة للانتخاب في أن تفرض نفسها لاعبا رئيسا في الحياة السياسية الأردنية، ومرجعية دستورية منفردة في الإشراف على شؤون الأحزاب القائمة، بحيث تتفرد في تفسير النصوص القانونية ذات الصلة.
وكأي جهة وطنية أخرى، تبقى قرارات الهيئة المستقلة للانتخاب خاضعة لرقابة القضاء، في حال اختار الحزب المتضرر الطعن فيها، وهو ما لم يبادر إليه حزب جبهة العمل الإسلامي، رغم أن المحاكم مفتوحة للجميع، الأمر الذي يشير إلى قبول الحزب بالقرار دون سلوك المسار القضائي المتاح.
إن الفائز الأكبر من هذه التطورات الحزبية هو الهيئة المستقلة للانتخاب، التي أثبتت علو كعبها وقدرتها على فرض حضورها في المشهد السياسي الأردني. فهي لم تقبل أن تكون امتدادا للوزارات والإدارات الحكومية التي كانت تتولى شؤون الأحزاب سابقا، وفي مقدمتها لجنة شؤون الأحزاب في وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، التي كان دورها يقتصر على التحقق من مشروعية الإجراءات التنظيمية في تأسيس الأحزاب، بل وسعت نطاق عملها ليشمل تقديم رؤيتها الخاصة للعمل الحزبي من خلال تفسير النصوص القانونية ذات العلاقة وتطبيقها على أرض الواقع، ضمن إطار سيادة القانون وتحت رقابة القضاء الوطني.
أما التبعات القانونية والسياسية المترتبة على تغيير اسم الحزب، وعلى تمثيله البرلماني ودوره داخل مجلس النواب، فتقتصر على قيام نوابه المنتخبين باستخدام المسمى الجديد في التعريف بأنفسهم، وفي مراسلاتهم ومداخلاتهم تحت القبة، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في مراكزهم القانونية. فالنواب الذين انتخبوا تحت اسم حزب جبهة العمل الإسلامي يعدون ممثلين لحزب الأمة بذات الصفة القانونية والسياسية، دون أن يمس ذلك عضويتهم أو أدوارهم الدستورية أو تحالفاتهم وتفاهماتهم السياسية داخل المجلس النيابي.
وفي المحصلة، فإن قرار تغيير اسم الحزب الإسلامي لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد تطبيق لنص قانوني قائم، بل يتعين فهمه في إطار أوسع يتصل بتكريس ولاية الهيئة المستقلة للانتخاب على الأحزاب السياسية بعد التعديلات الدستورية لعام 2022. فالقرار، في جوهره، لا يتعلق باسم حزب قائم فحسب، بل يمثل خطوة في اتجاه إعادة تشكيل المشهد الحزبي، ويؤكد انتقال مركز الثقل في إدارة الشأن الحزبي إلى مؤسسة دستورية مستقلة تمتلك صلاحيات التفسير والتطبيق، وتسعى إلى تنظيم الحياة السياسية وفق معايير دستورية مغايرة لما كان سائدا، على أن تمارس هذه الصلاحيات في ظل أحكام القانون وتحت رقابة القضاء.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
قرر مجلس مفوضي الهيئة المستقلة للانتخاب الموافقة على تغيير اسم حزب جبهة العمل الإسلامي ليصبح "حزب الأمة"، وذلك تنفيذا لأحكام قانون الأحزاب السياسية النافذ، الذي يحظر في المادة (5) منه تأسيس أحزاب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية. وقد أثار هذا القرار العديد من التساؤلات القانونية والسياسية حول توقيته وأهدافه ومبرراته، خاصة أن الحظر المتعلق بالطبيعة الدينية أو الطائفية أو العرقية للأحزاب السياسية ليس نصا مستحدثا في القانون الأردني الحالي، بل ورد في قوانين سابقة بصيغ مختلفة، دون أن يسبق لأي من أجهزة الدولة التي كانت مسؤولة عن إدارة الأحزاب أن تعاملت معه بهذه الكيفية.
إن هذا التوجه من قبل الهيئة المستقلة للانتخاب يرتبط ارتباطا وثيقا بحقها في تفسير نصوص قانون الأحزاب السياسية بالطريقة التي تراها مناسبة، وبما يتوافق مع ولايتها الدستورية على النظام الحزبي برمته. فقد جرى في عام 2022 تكريس الولاية الكاملة للهيئة المستقلة للانتخاب في إدارة كافة الشؤون المتعلقة بالأحزاب السياسية، من حيث تسجيلها ابتداء ومتابعة مدى التزامها بنصوص القانون.
لقد عكست هذه الخطوة القانونية، في تعامل الهيئة المستقلة للانتخاب مع أحد أكبر الأحزاب الأردنية، تحولا جذريا في بنية الحياة السياسية والحزبية الوطنية. فلم يعد دور الهيئة مقتصرا على متابعة الجوانب الإدارية والفنية في العملية الانتخابية، بل امتد ليشمل الإشراف على تنظيم العمل الحزبي ضمن إطار دستوري متكامل يقوم على تفسير النصوص القانونية ذات الصلة وتطبيقها. ويأتي ذلك انسجاما مع فلسفة التعديلات الدستورية وغاياتها، التي ربطت الأحزاب السياسية بالهيئة المستقلة للانتخاب، ووسعت من اختصاصاتها، لتنتقل من إدارة العملية الانتخابية إلى المساهمة في تنظيم المجال السياسي والحزبي ذاته، والذي يتقاطع بشكل كبير مع إجراء انتخابات نيابية على أساس حزبي وبرامجي.
ومن هنا، فإنه لا يمكن لأي جهة، مهما كانت، أن تتمسك بفكرة الحقوق المكتسبة، أو بأن عقودا من الزمن قد مضت على ممارسة العمل الحزبي تحت مسمى حزب جبهة العمل الإسلامي دون أي تحرك رسمي، أو أن تتمسك بحرفية نص قانوني كان دائما يحظر قيام الأحزاب الأردنية على أسس دينية. فهذه المقاربة لا تنال من أحقية الهيئة المستقلة للانتخاب في أن تفرض نفسها لاعبا رئيسا في الحياة السياسية الأردنية، ومرجعية دستورية منفردة في الإشراف على شؤون الأحزاب القائمة، بحيث تتفرد في تفسير النصوص القانونية ذات الصلة.
وكأي جهة وطنية أخرى، تبقى قرارات الهيئة المستقلة للانتخاب خاضعة لرقابة القضاء، في حال اختار الحزب المتضرر الطعن فيها، وهو ما لم يبادر إليه حزب جبهة العمل الإسلامي، رغم أن المحاكم مفتوحة للجميع، الأمر الذي يشير إلى قبول الحزب بالقرار دون سلوك المسار القضائي المتاح.
إن الفائز الأكبر من هذه التطورات الحزبية هو الهيئة المستقلة للانتخاب، التي أثبتت علو كعبها وقدرتها على فرض حضورها في المشهد السياسي الأردني. فهي لم تقبل أن تكون امتدادا للوزارات والإدارات الحكومية التي كانت تتولى شؤون الأحزاب سابقا، وفي مقدمتها لجنة شؤون الأحزاب في وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، التي كان دورها يقتصر على التحقق من مشروعية الإجراءات التنظيمية في تأسيس الأحزاب، بل وسعت نطاق عملها ليشمل تقديم رؤيتها الخاصة للعمل الحزبي من خلال تفسير النصوص القانونية ذات العلاقة وتطبيقها على أرض الواقع، ضمن إطار سيادة القانون وتحت رقابة القضاء الوطني.
أما التبعات القانونية والسياسية المترتبة على تغيير اسم الحزب، وعلى تمثيله البرلماني ودوره داخل مجلس النواب، فتقتصر على قيام نوابه المنتخبين باستخدام المسمى الجديد في التعريف بأنفسهم، وفي مراسلاتهم ومداخلاتهم تحت القبة، دون أن يترتب على ذلك أي تغيير في مراكزهم القانونية. فالنواب الذين انتخبوا تحت اسم حزب جبهة العمل الإسلامي يعدون ممثلين لحزب الأمة بذات الصفة القانونية والسياسية، دون أن يمس ذلك عضويتهم أو أدوارهم الدستورية أو تحالفاتهم وتفاهماتهم السياسية داخل المجلس النيابي.
وفي المحصلة، فإن قرار تغيير اسم الحزب الإسلامي لا ينبغي اختزاله في كونه مجرد تطبيق لنص قانوني قائم، بل يتعين فهمه في إطار أوسع يتصل بتكريس ولاية الهيئة المستقلة للانتخاب على الأحزاب السياسية بعد التعديلات الدستورية لعام 2022. فالقرار، في جوهره، لا يتعلق باسم حزب قائم فحسب، بل يمثل خطوة في اتجاه إعادة تشكيل المشهد الحزبي، ويؤكد انتقال مركز الثقل في إدارة الشأن الحزبي إلى مؤسسة دستورية مستقلة تمتلك صلاحيات التفسير والتطبيق، وتسعى إلى تنظيم الحياة السياسية وفق معايير دستورية مغايرة لما كان سائدا، على أن تمارس هذه الصلاحيات في ظل أحكام القانون وتحت رقابة القضاء.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية