رسالة بطريرك القدس: دعوة كنيسة القدس في الزمن الحاضر
صدرت رسالة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا الراعوية في نيسان 2026 في توقيت هام، بعد عقد كامل على حضوره في خدمة القدس كمدبّر رسولي ثم كبطريرك، ثم كاردينال في الكنيسة الكاثوليكية. وتحمل عنوان: "رَجَعوا إِلَى أُورَشَلِيم وهُمْ في فَرَحٍ عَظيم"، وعنوان فرعي يقول: "مقترح حول أسلوب عيش دعوة الكنيسة في الأرض المقدسة".
وتحمل رسالة بيتسابالا طابعاً عملياً وروحياً معاً، وتعيد وضع دعوة الكنيسة في الأرض المقدّسة على سلم الأولويات: البقاء، الحضور، الشفاء، والانفتاح. ومن المهم التذكير بأنّ بطريركية القدس للاتين التي تُرسل إليها الرسالة هي موجودة في مناطق جغرافية متعددة: الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص.
ينطلق البطريرك من قراءة صادقة للوضع الراهن: حروب متجددة، تفكك اجتماعي، موجات تهجير، فقر ومعاناة يومية يفرضها واقع الاحتلال. يصف الرسالة في القسم الأول "قراءة الواقع" كمحاولة لفهم أعمق لا لإصدار حكم سريع، ويشدّد على أن ما يحدث ليس ظرفاً عابراً بل واقع قد يصبح جزءاً من ثقافة الأرض إن لم يُعالج. لذلك، فقراءة الواقع عنده ليست تشاؤماً بل أساس للتفكير الرعوي العملي.
يضع كاردينال القدس "أورشليم" كنمط مرجعي: المدينة السماوية التي تنزل من السماء تُلزمنا بأن نكون مجتمعاً متجذّراً في علاقتنا مع الله أولاً، ثم مع البشر. الحضور الإلهي المستمر "المدينة النازلة من السماء" يحتم على الكنيسة أن تكون متنفساً للالتقاء، لا حصناً للإقصاء؛ أن تبقي أبوابها مفتوحة، وأن تصنع من الذاكرة المُفتَداة بداية للمصالحة لا سلاحاً للخصومة. وفي النسخة العربية، أضاف المترجم ملاحظة هامة، وهي أنّ كلمة أورَشَلِيم (بفتح الراء) في الرسالة لا تتضمن دلالات سياسية ولا تُشير إلى ما هي عليه اليوم، بل إلى الاسم القديم للقدس كما ورد في الكتاب المقدس، ولا سيما في سفر الرؤيا. وقال عندما نقصد المعنى الحالي للمدينة، فسنسميها "القدس".
تربط الرسالة بين العبادة والحياة اليومية: الليتورجيا والصلاة ليست وسائل لغاية أخرى بل قلب الحياة الكنسية ومصدر التجدّد الذي يتيح للكنيسة أن تلمس الواقع بخفة المحبة. من هنا توجيهات عملية واضحة: تعزيز الصلاة العامة والخاصة، رعاية الأسر كـ"كنائس بيتيّة"، دعم مدارس تدرب على الانفتاح، والحفاظ على طابع مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية كمجالات حوار وشفاء.
يستعير الكاردينال لغة سفر الرؤيا: "أوراق الشجرة تشفي الأمم"، ليؤكد أن خدمة المستشفيات والعيادات والكاريتاس ودور العناية هي تجسيد حقيقي لدعوة القدس: شفاء مجتمعي بلا تمييز ديني أو إثني. هذه الخدمة الصامتة، بحسبه، هي من تخلق أرضية للتلاقي بين الشعوب والأديان.
تكرس الرسالة للموضوعات الأخلاقية الكبرى: رفض العنف كقيمة لا تفاوض فيها، إعادة قراءة الذاكرة التاريخية كعمل روحي ضروري (تحرير الذاكرة من سمومها)، والحوار بين الأديان ليس ترفاً بل ضرورة وجودية في أرضٍ متعددة الهويات. تطلب الرسالة شجاعة وصبراً: حوار "الحياة" لا حوار "النخبة"، والتزام بممارسات يومية تُعلّم اللقاء والانفتاح بدل العزلة والانغلاق.
تكتسب الرسالة وزنها أيضاً من سيرة صاحبها الذي جاء إلى القدس منذ ثلاثين عاماً: حضور رفيع المستوى في ساحات الأزمة (وقوفه مع الفقراء والطلاب، زياراته المتكررة إلى غزة خلال الحرب وبعدها)، ومواقفه التي جرأت على رسم خطوط مقاومة للمنطق الحربي ومنعه من الاحتفال بأحد الشعانين في كنيسة القيامة. هذا الجمع بين رمزية المنصب وتجربة الألم الميداني يمنح الرسالة صدقاً وعملاً.
حين نذكر رسالة البطريرك بيتسابالا، لا بد أن نستذكر رسالة رعوية سابقة ومؤثرة لبطريرك القدس الأسبق ميشيل صباح، عام 1997 أي قبل ثلاثين عاماً، حول "قراءة الكتاب المقدس في أرض الكتاب المقدس": خطاب صباح كان تذكيراً بأن النص المقدس يُفهم بشكل مختلف حين يعيش في سياق أرضه، واليوم بيتسابالا يكمل ذلك بخطوة رعوية: من القراءة النصية إلى تطبيق رؤية إنجيلية حيّة تُبقي الكنيسة في مشارق الأرض ومغاربها، وتحوّل التراث الكتابي إلى برنامج حياة وعناية ومصاحبة.
ختاماً، تبرز أهمية الرسالة ودعوتها للعمل في رسالة الكاردينال بيتسابالا في مزجها بين تأمل شخصي، وروحانية إنجيلية، وبين خارطة عمل رعوية ملموسة: حماية الحضور المسيحي في الأرض المقدسة، رعاية الفقراء والمهمشين، تعليم الأجيال على التقبل والانفتاح والاحترام، وإعطاء الأولوية لثقافة الشفاء والحوار. إنها دعوة إلى العودة إلى أورشليم — ليس بالعودة الجغرافية وحدها، بل بإعادة خلق مدينة القلب والذاكرة والالتزام المسيحي: مدينة أبوابها مفتوحة، تضيء بنور الفصح، وتزرع سلاماً شافياً للأمم.
وتحمل رسالة بيتسابالا طابعاً عملياً وروحياً معاً، وتعيد وضع دعوة الكنيسة في الأرض المقدّسة على سلم الأولويات: البقاء، الحضور، الشفاء، والانفتاح. ومن المهم التذكير بأنّ بطريركية القدس للاتين التي تُرسل إليها الرسالة هي موجودة في مناطق جغرافية متعددة: الأردن وفلسطين وإسرائيل وقبرص.
ينطلق البطريرك من قراءة صادقة للوضع الراهن: حروب متجددة، تفكك اجتماعي، موجات تهجير، فقر ومعاناة يومية يفرضها واقع الاحتلال. يصف الرسالة في القسم الأول "قراءة الواقع" كمحاولة لفهم أعمق لا لإصدار حكم سريع، ويشدّد على أن ما يحدث ليس ظرفاً عابراً بل واقع قد يصبح جزءاً من ثقافة الأرض إن لم يُعالج. لذلك، فقراءة الواقع عنده ليست تشاؤماً بل أساس للتفكير الرعوي العملي.
يضع كاردينال القدس "أورشليم" كنمط مرجعي: المدينة السماوية التي تنزل من السماء تُلزمنا بأن نكون مجتمعاً متجذّراً في علاقتنا مع الله أولاً، ثم مع البشر. الحضور الإلهي المستمر "المدينة النازلة من السماء" يحتم على الكنيسة أن تكون متنفساً للالتقاء، لا حصناً للإقصاء؛ أن تبقي أبوابها مفتوحة، وأن تصنع من الذاكرة المُفتَداة بداية للمصالحة لا سلاحاً للخصومة. وفي النسخة العربية، أضاف المترجم ملاحظة هامة، وهي أنّ كلمة أورَشَلِيم (بفتح الراء) في الرسالة لا تتضمن دلالات سياسية ولا تُشير إلى ما هي عليه اليوم، بل إلى الاسم القديم للقدس كما ورد في الكتاب المقدس، ولا سيما في سفر الرؤيا. وقال عندما نقصد المعنى الحالي للمدينة، فسنسميها "القدس".
تربط الرسالة بين العبادة والحياة اليومية: الليتورجيا والصلاة ليست وسائل لغاية أخرى بل قلب الحياة الكنسية ومصدر التجدّد الذي يتيح للكنيسة أن تلمس الواقع بخفة المحبة. من هنا توجيهات عملية واضحة: تعزيز الصلاة العامة والخاصة، رعاية الأسر كـ"كنائس بيتيّة"، دعم مدارس تدرب على الانفتاح، والحفاظ على طابع مؤسسات الرعاية الصحية والاجتماعية كمجالات حوار وشفاء.
يستعير الكاردينال لغة سفر الرؤيا: "أوراق الشجرة تشفي الأمم"، ليؤكد أن خدمة المستشفيات والعيادات والكاريتاس ودور العناية هي تجسيد حقيقي لدعوة القدس: شفاء مجتمعي بلا تمييز ديني أو إثني. هذه الخدمة الصامتة، بحسبه، هي من تخلق أرضية للتلاقي بين الشعوب والأديان.
تكرس الرسالة للموضوعات الأخلاقية الكبرى: رفض العنف كقيمة لا تفاوض فيها، إعادة قراءة الذاكرة التاريخية كعمل روحي ضروري (تحرير الذاكرة من سمومها)، والحوار بين الأديان ليس ترفاً بل ضرورة وجودية في أرضٍ متعددة الهويات. تطلب الرسالة شجاعة وصبراً: حوار "الحياة" لا حوار "النخبة"، والتزام بممارسات يومية تُعلّم اللقاء والانفتاح بدل العزلة والانغلاق.
تكتسب الرسالة وزنها أيضاً من سيرة صاحبها الذي جاء إلى القدس منذ ثلاثين عاماً: حضور رفيع المستوى في ساحات الأزمة (وقوفه مع الفقراء والطلاب، زياراته المتكررة إلى غزة خلال الحرب وبعدها)، ومواقفه التي جرأت على رسم خطوط مقاومة للمنطق الحربي ومنعه من الاحتفال بأحد الشعانين في كنيسة القيامة. هذا الجمع بين رمزية المنصب وتجربة الألم الميداني يمنح الرسالة صدقاً وعملاً.
حين نذكر رسالة البطريرك بيتسابالا، لا بد أن نستذكر رسالة رعوية سابقة ومؤثرة لبطريرك القدس الأسبق ميشيل صباح، عام 1997 أي قبل ثلاثين عاماً، حول "قراءة الكتاب المقدس في أرض الكتاب المقدس": خطاب صباح كان تذكيراً بأن النص المقدس يُفهم بشكل مختلف حين يعيش في سياق أرضه، واليوم بيتسابالا يكمل ذلك بخطوة رعوية: من القراءة النصية إلى تطبيق رؤية إنجيلية حيّة تُبقي الكنيسة في مشارق الأرض ومغاربها، وتحوّل التراث الكتابي إلى برنامج حياة وعناية ومصاحبة.
ختاماً، تبرز أهمية الرسالة ودعوتها للعمل في رسالة الكاردينال بيتسابالا في مزجها بين تأمل شخصي، وروحانية إنجيلية، وبين خارطة عمل رعوية ملموسة: حماية الحضور المسيحي في الأرض المقدسة، رعاية الفقراء والمهمشين، تعليم الأجيال على التقبل والانفتاح والاحترام، وإعطاء الأولوية لثقافة الشفاء والحوار. إنها دعوة إلى العودة إلى أورشليم — ليس بالعودة الجغرافية وحدها، بل بإعادة خلق مدينة القلب والذاكرة والالتزام المسيحي: مدينة أبوابها مفتوحة، تضيء بنور الفصح، وتزرع سلاماً شافياً للأمم.