موضة

تيا ديب .. بين إرث نوال الزغبي واستقلالية الإبداع في عالم الموضة

تيا ديب ..  بين إرث نوال الزغبي واستقلالية الإبداع في عالم الموضة

للعلّم - في حياة بعض الأمهات، لا يُورَّث الإرث بوصفه اسمًا فقط، بل يتحول إلى شغف ينمو بهدوء في قلب الابنة حتى يصبح ملامح طريقها الخاص. هكذا تبدو حكاية تيا ديب مع والدتها النجمة نوال الزغبي؛ علاقة تتجاوز حدود الأمومة التقليدية إلى مساحة من الإلهام والدعم والنمو تحت الأضواء، لا للوقوف في ظلها، بل لصناعة ضوء مستقل يحمل بصمتها الخاصة.

كبرت تيا بين المسارح والكواليس، في عالم ترى فيه كيف يمكن للإطلالة أن تصبح هوية، وكيف يتحول الزي إلى امتداد طبيعي للشخصية. ومن هناك، بدأت علاقتها بالموضة كلغة تعبير شخصية، لا مجرد اهتمام عابر. وفي شهر مارس، شهر الاحتفاء بالأم، تقترب تيا ديب من الجمهور ليس فقط بصفتها ابنة نجمة شهيرة، بل أيضًا بوصفها مصممة اختارت أن تبني اسمها باستقلالية، وأن تعكس في تصاميمها صورة المرأة القوية والواثقة.

نوال الزغبي كما تراها تيا.. قوة إنسانية قبل أن تكون نجمة
حين يُطرح اسم نوال الزغبي على الجمهور، تحضر صورة النجمة والأيقونة، لكن بالنسبة إلى تيا، فالأمر أعمق من ذلك بكثير. فهي ترى والدتها نموذجًا للقوة في أكثر صورها إنسانية، امرأة حاضرة، حامية، تجمع بين الصلابة والمحبة في آن واحد. ومن خلال هذه العلاقة، تعلمت أن النجاح لا يكتمل إذا فقد الإنسان مبادئه في الطريق، وأن نوال بعيدًا عن الأضواء تبقى ببساطة "الأم" الداعمة والقريبة من أبنائها بوعي عاطفي عميق.

دعم واعٍ لا يخلو من الحرص
لم يكن دخول تيا إلى عالم الموضة قرارًا مفاجئًا أو عابرًا، بل خيارًا وجد من نوال الزغبي دعمًا واضحًا، وإن كان مصحوبًا بالحرص الطبيعي الذي تولده الخبرة. فبحكم تجربتها الطويلة، كانت تدرك صعوبة المجال الإبداعي وثقل الحياة العامة، لذلك جاءت النقاشات بينهما بدافع الاطمئنان لا الشك. ومع الوقت، حين لمست نوال جدية ابنتها ورؤيتها بعيدة المدى، تحول دعمها إلى موقف ثابت وواضح.

أما النصيحة المهنية الأبرز التي لا تزال ترافق تيا، فهي العبارة التي كانت والدتها ترددها دائمًا: "اسمك مسؤولية". عبارة بسيطة في ظاهرها، لكنها حملت معنى عميقًا شكّل وعيها المهني، ورسخ لديها فكرة أن السمعة تُبنى ببطء، وأن الموهبة قد تفتح الأبواب، لكن الانضباط والاستمرارية والتواضع هي ما يبقيها مفتوحة.

حين يصبح الزي حوارًا بين جيلين
ارتداء تيا لتصاميم والدتها في أكثر من مناسبة لم يكن، بالنسبة إليها، مجرد خيار جمالي، بل لحظة رمزية تعكس الثقة المتبادلة والترابط الإبداعي بينهما. فقد رأت في تلك اللحظات ما يشبه الحوار الصامت بين جيلين من امرأتين مبدعتين، تدعم كل منهما الأخرى من خلال الفن. لذلك لم تكن تلك الإطلالات مجرد أزياء، بل لحظات محمّلة بالمعنى الشخصي والعاطفي.

كما تؤكد تيا أنها تشارك والدتها تفاصيل مجموعاتها قبل إطلاقها، وتمنح رأيها أهمية كبيرة، لا سيما أن نوال تمتلك حدسًا تشكل عبر سنوات طويلة من الخبرة أمام الجمهور. ورغم ذلك، تحرص تيا على أن تبقى قراراتها النهائية نابعة من رؤيتها الخاصة، في توازن واضح بين احترام الخبرة والحفاظ على استقلالية الصوت الإبداعي.

الاستقلالية كما تعلّمتها من الأم
تأثرت تيا بوالدتها ليس فقط من ناحية النجاح، بل من زاوية أعمق تتعلق بمعنى الاستقلالية. فمشاهدتها لنوال وهي تدير نجاحها بثبات وصمود، أسهمت في تشكيل نظرتها إلى الحياة والعمل، وجعلتها تدرك أن الاستقلال لا يقتصر على الجانب المادي، بل يشمل أيضًا القوة العاطفية، والقدرة على اتخاذ القرار، واحترام الذات. ومن هنا، تشكل لديها اقتناع بأن الاستمرارية لا تصنعها ملاحقة "الترند"، بل الثبات الداخلي والالتزام الحقيقي.

وعندما طُلب منها تلخيص علاقتها بوالدتها في ثلاث كلمات بعيدة عن العاطفة، اختارت: احترام، قوة، انسجام. أما رسالتها القلبية لها بمناسبة عيد الأم، فجاءت ممتلئة بالامتنان، إذ شكرتها لأنها كانت قوتها وحنانها في آن، ولأنها علمتها الصمود من دون أن تفقد لطفها، ومنحتها الحرية لتكون نفسها وهي تدرك دائمًا أن هناك من يساندها من الخلف.

الموضة.. شغف قديم تحول إلى مشروع مستقل
بالنسبة إلى تيا ديب، لم تكن الموضة مجرد هواية عابرة، بل لغة شعرت بأنها تتحدثها بشكل فطري. أما اللحظة الحاسمة التي دفعتها لتحويل هذا الشغف إلى مشروع مهني، فجاءت عندما أدركت أن الإبداع تحت رؤية شخص آخر لن يعكسها بالكامل، وأنها بحاجة إلى امتلاك كامل لأفكارها وهويتها الجمالية ورسالتها. عندها لم يعد الأمر مجرد اهتمام فني، بل تحول إلى مشروع واضح المعالم.

وقد شكّلت دراستها للموضة في الخارج محطة أساسية في هذا المسار، إذ منحتها الانضباط التقني والانفتاح والرؤية الواسعة، لكن عودتها إلى لبنان كانت الخطوة التي منحت مشروعها المعنى الحقيقي. هناك شعرت بأن جذورها وبيئتها وقصتها الشخصية ليست مجرد خلفية، بل عناصر أساسية في بناء هوية علامتها، وعندها أصبح إطلاق الاسم الخاص بها ضرورة أكثر منه مغامرة.

كيف بنت هوية Tia Dib بعيدًا عن ظل الاسم؟
في عالم يربطها تلقائيًا باسم عائلتها، اختارت تيا أن تجعل عملها هو المتحدث الأول عنها. ركزت على بناء هوية بصرية قوية، مع خطوط واضحة ولغة جمالية ثابتة، حتى يصبح اسم Tia Dib مرتبطًا بالقوة والبنية والثقة، لا فقط بالإرث العائلي. وتؤكد أن هذا التميز لم يكن سهلًا، بل تطلب انضباطًا واستمرارية وشجاعة في مواجهة المقارنات.

تصميم يعكس شخصية ورسالة
توصف تصاميم تيا بأنها جريئة وتعكس امرأة واثقة، وهي ترى أن هذا الوصف يجمع بين شخصيتها ورسالتها معًا. فهي بطبيعتها تميل إلى المباشرة والقوة وعدم الاعتذار عن الحضور، وفي الوقت نفسه تصمم لامرأة تريد أن تشعر بالقوة من دون الحاجة إلى شرح نفسها أو تبريرها. بالنسبة إليها، الثقة لا ينبغي أن تكون صاخبة، بل أن تُشعَر، ولهذا تُصمم قطعها لتدعم القوة الداخلية لا لتغطي عليها.

وفي ما يتعلق بالتوازن بين الفن والجانب التجاري، تؤمن تيا بأنه لا يوجد تعارض حقيقي بين الاثنين. فالفن يمنح العلامة روحها، فيما تضمن البنية استدامتها. لذلك تصمم بوعي يجمع بين الجمالية القوية والقابلية للارتداء، وبين التعبير الفني والوظيفة العملية، بما يجعل القطعة صالحة للحياة اليومية للمرأة المعاصرة، من دون أن تفقد أصالتها.

أما تمكين المرأة من خلال الموضة، فتراه مرتبطًا بالحضور والاختيار. فالموضة، في نظرها، يجب ألا ترتدي المرأة، بل المرأة هي من ترتدي الموضة وتوجهها. والتمكين الحقيقي يتحقق حين تمنح القطعة المرأة إحساسًا بأنها مرئية، قوية، وقادرة على التحكم في صورتها أمام العالم. وحين تشعر امرأة بأنها أقرب إلى قوتها الحقيقية من خلال أحد تصاميمها، تعتبر تيا أن الرسالة قد وصلت.

التحديات.. من إثبات الذات إلى صناعة المصداقية
تقرّ تيا بأن أصعب ما واجهته في بداية إطلاق علامتها لم يكن نظرة الناس أو المنافسة بقدر ما كان ضغط إثبات الذات. ففي المراحل الأولى، وجدت نفسها تحت وطأة التوقعات والمقارنات والافتراضات المسبقة، لكنها تعلّمت سريعًا أن الاستمرارية والصمود أهم بكثير من محاولة كسب القبول. وعندما توقفت عن السعي لإثبات نفسها، وركزت بدلًا من ذلك على بناء عمل متين، بدأت النتائج تأتي بشكل طبيعي.

وترى أن المرأة ما زالت، في كثير من الأحيان، مطالبة بإثبات نفسها أكثر من الرجل في المجالات الإبداعية، لكن هذه السردية آخذة في التغير. وبرأيها، الأهم أن لا تستبطن المرأة هذا الضغط، بل أن توجه تركيزها نحو التميز في العمل، لأن المصداقية الحقيقية تُبنى بالنتائج لا بالمقارنات.

جيل جديد يبني على ما سبق
وعن الفارق بين جيلها وجيل والدتها، ترى تيا أن جيل الأمهات كان عليه أن يناضل ليحجز مكانه، بينما يتعلم جيلها اليوم كيف يعرّف هذا المكان بنفسه. الجيل السابق كسر الحواجز وأثبت قدرة المرأة على القيادة والإبداع، أما الجيل الحالي فيركز أكثر على الفردية والأصالة وإعادة تعريف النجاح وفق معاييره الخاصة. لم يعد الأمر، بالنسبة إليهم، متعلقًا بطلب الإذن، بل بامتلاك هوية واضحة وصوت مستقل.

ومن هذا المنطلق، توجه تيا رسالة إلى كل شابة تحمل اسمًا معروفًا وتحاول إثبات نفسها، مفادها أن الاسم قد يفتح الباب، لكن العمل وحده هو ما يضمن البقاء. وتنصح بألا تُحارب الشابة خلفيتها، بل أن تبني هويتها فوقها، من خلال التركيز على الجوهر والانضباط والاستمرارية، لأن الجهد الحقيقي هو الذي يمنح الاسم معناه الخاص.

الأمومة كمساحة أمان
بالتزامن مع عيد الأم، تؤكد تيا أن هذه المناسبة أصبحت تحمل بالنسبة إليها معنى أعمق من السابق، خاصة في ظل بنائها لهويتها المهنية. فهي باتت تدرك اليوم حجم التضحيات والقوة والصمود العاطفي الذي تتطلبه الأمومة، ولم تعد ترى عيد الأم كمناسبة احتفالية فقط، بل كلحظة امتنان وتأمل، تذكرها بأن الأساس الذي تقف عليه في حياتها الشخصية والمهنية بدأ من البيت.

وفي رؤيتها لمعنى الأم كمساحة أمان، تقول تيا إن الأم تصبح كذلك عندما تدعم من دون أن تسيطر، وتوجه من دون أن تفرض، وتستمع من دون أحكام. فالحضور الحقيقي لا يعني التظليل، بل منح الابنة المساحة الكافية لاكتشاف صوتها الخاص، حتى لو اختلف عن صوت والدتها. وهنا، تكمن قوة الأمومة الحقيقية في أنها تعزز الاستقلالية بدلًا من أن تستبدلها.

تقدم تيا ديب نموذجًا لابنة ورثت الإلهام، لكنها لم تكتفِ به، بل قررت أن تبني فوقه مشروعًا يحمل اسمها وروحها ورؤيتها. وبين نوال الزغبي الأم والنجمة، وتيا ديب المصممة الشابة، تتشكل حكاية تجمع بين الإرث والاستقلال، وبين الامتنان والاختيار، وبين قوة الاسم وقوة الجهد. إنها ببساطة رحلة تثبت أن النور الموروث قد يكون بداية جميلة، لكن البريق الحقيقي يصنعه من يعرف كيف يمنح نفسه ملامحه الخاصة.