"الحرب في الخليج" .. بين رؤية الامير تركي ومخاوف "الحبتور" !!
في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، برزت خلال الأيام الماضية تصريحات لافتة لكل من الأمير تركي الفيصل ورجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور حول الحرب الدائرة مع إيران. قد تبدو هذه التصريحات للوهلة الأولى تعبيراً عن وجهتي نظر مختلفتين؛ الأولى تصدر عن رجل دولة مخضرم شغل مواقع حساسة في الدولة السعودية، والثانية عن رجل اقتصاد واستثمار ينظر إلى الأمور من زاوية المصالح والاستقرار ، غير أن التمعن في مضمون التصريحين يقود إلى نتيجة مهمة للغاية ومغايرة للدوائر الرسمية هناك، فهما في الحقيقة يعكسان مزاجاً خليجياً متنامياً يقوم على القلق من حرب قد تتحول إلى حريق إقليمي واسع يصعب احتواء تداعياته.
الأمير تركي الفيصل قدّم توصيفاً سياسياً بالغ الدلالة عندما اعتبر أن ما يجري ليس حرباً إقليمية بقدر ما هو "حرب"، هذا التوصيف يحمل أكثر من رسالة، فهو أولاً يسعى إلى وضع إطار سياسي للحرب يحمّل "اسرائيل" مسؤولية الدفع نحو التصعيد، كما أنه ثانياً يحاول – بصورة غير مباشرة – فصل الموقف العربي والخليجي عن هذه المواجهة، حتى لا يجري تصويرها باعتبارها حرباً بين محور عربي وآخر إيراني.
ومن خلال الإشارة إلى أن نتنياهو نجح في إقناع الرئيس الأمريكي بالانخراط في هذا المسار، يلمّح الامير تركي الفيصل إلى أن القرار الأمريكي قد يكون جاء استجابة لحسابات سياسية إسرائيلية أكثر منه تعبيراً عن ضرورة استراتيجية تفرضها مصالح الاستقرار الإقليمي، وهي رسالة يفهمها صناع القرار في واشنطن جيداً، خصوصاً أن أي توسيع لرقعة الحرب يعني عملياً فتح جبهات متعددة قد تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
في المقابل، جاء موقف "خلف الحبتور" من زاوية مختلفة، لكنه لا يقل وضوحاً في دلالاته، فالحبتور الذي يمثل أحد أبرز رجال الأعمال في الخليج، اختار أن يخاطب الرئيس الأمريكي مباشرة محذراً من جرّ المنطقة إلى حرب مع إيران، ومتسائلاً عن الكلفة التي قد تدفعها دول المنطقة نتيجة هذا التصعيد، هذه اللغة تعكس قلقاً حقيقياً لدى أوساط رجال الأعمال والمستثمرين في الخليج العربي الذين يدركون أن الاستقرار هو الشرط الأول لازدهار الاقتصاد.
وهنا تظهر زاوية أخرى من القلق الخليجي، زاوية الاقتصاد والاستقرار. فالحرب، بالنسبة لرجال الأعمال والمستثمرين لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بما تتركه من آثار على الاستثمارات والتجارة وحركة الاقتصاد، ومن هذه الزاوية تبدو الحرب كأنها مقامرة غير محسوبة في منطقة تشكل أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة في العالم، حيث تمر عبرها أهم خطوط إمدادات النفط والغاز والتجارة الدولية.
اللافت أن التصريحين، على الرغم من اختلاف خلفياتهما، يلتقيان عند نقطة أساسية واحدة: التحذير من الانجرار إلى حرب لا تريدها المنطقة، فكلا الرجلين يوجهان رسالة واضحة مفادها أن دول الخليج، التي دخلت خلال السنوات الأخيرة في مرحلة إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والتنموية، ليست معنية بالدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، خصوصاً في ظل المشاريع التنموية الكبرى التي تتطلب بيئة إقليمية مستقرة.
ومن هنا يمكن قراءة هذه التصريحات باعتبارها مؤشراً على تحول أوسع في المزاج السياسي الخليجي، فبعد سنوات طويلة من التوتر الحاد مع طهران، يبدو أن هناك توجهاً متزايداً نحو إدارة الصراع عبر السياسة والدبلوماسية، لا عبر الحروب المفتوحة التي قد تخرج عن السيطرة وتفرض أثماناً باهظة على الجميع.
والخلاصة أن ما قاله تركي الفيصل وخلف الحبتور لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد رأيين شخصيين، فبين سطور هذين التصريحين تظهر رسالة سياسية أعمق مفادها أن دول المنطقة لا تريد أن تكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى ولا تريد ان تكون باي حال من الاحوال ورقة تستفيد منها اسرائيل، وأن أي حرب واسعة لن تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل ستطال استقرار الشرق الأوسط كله، وقد تعيد رسم خرائط التوازنات فيه لسنوات طويلة قادمة.
باختصار فان الامير تركي الفيصل والملياردير خلف الحبتور يرفعان شعار هذه
(ليست حربنا، هذه حرب نتنياهو) .
Rajatalab5@gmail.com
في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، برزت خلال الأيام الماضية تصريحات لافتة لكل من الأمير تركي الفيصل ورجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور حول الحرب الدائرة مع إيران. قد تبدو هذه التصريحات للوهلة الأولى تعبيراً عن وجهتي نظر مختلفتين؛ الأولى تصدر عن رجل دولة مخضرم شغل مواقع حساسة في الدولة السعودية، والثانية عن رجل اقتصاد واستثمار ينظر إلى الأمور من زاوية المصالح والاستقرار ، غير أن التمعن في مضمون التصريحين يقود إلى نتيجة مهمة للغاية ومغايرة للدوائر الرسمية هناك، فهما في الحقيقة يعكسان مزاجاً خليجياً متنامياً يقوم على القلق من حرب قد تتحول إلى حريق إقليمي واسع يصعب احتواء تداعياته.
الأمير تركي الفيصل قدّم توصيفاً سياسياً بالغ الدلالة عندما اعتبر أن ما يجري ليس حرباً إقليمية بقدر ما هو "حرب"، هذا التوصيف يحمل أكثر من رسالة، فهو أولاً يسعى إلى وضع إطار سياسي للحرب يحمّل "اسرائيل" مسؤولية الدفع نحو التصعيد، كما أنه ثانياً يحاول – بصورة غير مباشرة – فصل الموقف العربي والخليجي عن هذه المواجهة، حتى لا يجري تصويرها باعتبارها حرباً بين محور عربي وآخر إيراني.
ومن خلال الإشارة إلى أن نتنياهو نجح في إقناع الرئيس الأمريكي بالانخراط في هذا المسار، يلمّح الامير تركي الفيصل إلى أن القرار الأمريكي قد يكون جاء استجابة لحسابات سياسية إسرائيلية أكثر منه تعبيراً عن ضرورة استراتيجية تفرضها مصالح الاستقرار الإقليمي، وهي رسالة يفهمها صناع القرار في واشنطن جيداً، خصوصاً أن أي توسيع لرقعة الحرب يعني عملياً فتح جبهات متعددة قد تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
في المقابل، جاء موقف "خلف الحبتور" من زاوية مختلفة، لكنه لا يقل وضوحاً في دلالاته، فالحبتور الذي يمثل أحد أبرز رجال الأعمال في الخليج، اختار أن يخاطب الرئيس الأمريكي مباشرة محذراً من جرّ المنطقة إلى حرب مع إيران، ومتسائلاً عن الكلفة التي قد تدفعها دول المنطقة نتيجة هذا التصعيد، هذه اللغة تعكس قلقاً حقيقياً لدى أوساط رجال الأعمال والمستثمرين في الخليج العربي الذين يدركون أن الاستقرار هو الشرط الأول لازدهار الاقتصاد.
وهنا تظهر زاوية أخرى من القلق الخليجي، زاوية الاقتصاد والاستقرار. فالحرب، بالنسبة لرجال الأعمال والمستثمرين لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية، بل بما تتركه من آثار على الاستثمارات والتجارة وحركة الاقتصاد، ومن هذه الزاوية تبدو الحرب كأنها مقامرة غير محسوبة في منطقة تشكل أحد أهم مراكز الطاقة والتجارة في العالم، حيث تمر عبرها أهم خطوط إمدادات النفط والغاز والتجارة الدولية.
اللافت أن التصريحين، على الرغم من اختلاف خلفياتهما، يلتقيان عند نقطة أساسية واحدة: التحذير من الانجرار إلى حرب لا تريدها المنطقة، فكلا الرجلين يوجهان رسالة واضحة مفادها أن دول الخليج، التي دخلت خلال السنوات الأخيرة في مرحلة إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والتنموية، ليست معنية بالدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة مع إيران، خصوصاً في ظل المشاريع التنموية الكبرى التي تتطلب بيئة إقليمية مستقرة.
ومن هنا يمكن قراءة هذه التصريحات باعتبارها مؤشراً على تحول أوسع في المزاج السياسي الخليجي، فبعد سنوات طويلة من التوتر الحاد مع طهران، يبدو أن هناك توجهاً متزايداً نحو إدارة الصراع عبر السياسة والدبلوماسية، لا عبر الحروب المفتوحة التي قد تخرج عن السيطرة وتفرض أثماناً باهظة على الجميع.
والخلاصة أن ما قاله تركي الفيصل وخلف الحبتور لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد رأيين شخصيين، فبين سطور هذين التصريحين تظهر رسالة سياسية أعمق مفادها أن دول المنطقة لا تريد أن تكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى ولا تريد ان تكون باي حال من الاحوال ورقة تستفيد منها اسرائيل، وأن أي حرب واسعة لن تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل ستطال استقرار الشرق الأوسط كله، وقد تعيد رسم خرائط التوازنات فيه لسنوات طويلة قادمة.
باختصار فان الامير تركي الفيصل والملياردير خلف الحبتور يرفعان شعار هذه
(ليست حربنا، هذه حرب نتنياهو) .
Rajatalab5@gmail.com