وجهات نظر

ثمن الحرب

ثمن الحرب


تداعيات الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران واغتيال المرشد الروحي، تعلن بوضوح مرحلة قادمة من تعديل النفوذ الإيراني الداخلي والخارجي، وبقسوة ودون تردد، تمامًا كما حدث عند نقل الثورة الإيرانية من باريس إلى إيران وإعلان الجمهورية الإسلامية، ومن ثم تصدير النفوذ إلى كلٍّ من العراق ولبنان وسوريا على الأقل.
تبدو المرحلة السياسية القادمة واضحة لكلٍّ من إسرائيل وأمريكا، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط، وبالطبع حسم الكثير من الملفات القابلة للنقاش والتوتر والمساومة والاتفاق من خلال فرض القوة العسكرية والتكنولوجية المتاحة.

إيران جديدة سوف تتبلور، بل تبلورت فعلًا، في خضم حملات من التهيئة والتمهيد عبر الغلاء وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والضغط من فئات وشرائح في المجتمع الإيراني جرحت واحتفلت بما جرى وتنتظر التغيير بلهفة.

جيوب النفوذ الإيراني في المنطقة بدأت تضعف مع سلسلة الاغتيالات لقادتها وأعوانها في لبنان والعراق، وتصفية مجموعات فرعية من الحركات التي تدعمها في أرجاء العالم من خلال المعونات والإمدادات.

ثمن الحرب، بل ضريبتها، صعبة على من يخسر الرهان وينفعل ويفقد القدرة على التوازن والثقة والتخطيط للانتقام والثأر ضمن معادلات القوة التي تفرض شروطها على الجميع، بل والاستفادة من التفوق.

بقي التحليل بعيدًا عن الواقع في توقع الضربة على إيران، وكثرت محاولات قراءة الأحداث بعمق، والتطورات، بل والاحتمالات والبدائل المتاحة للقيادة القادمة لإيران والحكم الذي يُنتظر أن يمارس نظامه بعد الحرب.

منذ الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الأولى والثانية، وبقية الأحداث التي عصفت بالمنطقة والمرتبطة بالنفوذ الإيراني، حافظ الأردن على سياسة النصح والتعقل وعدم التدخل والتوازن المناسب بين مصالحه وأمنه، والتخفيف من التصعيد، بل واستيعاب ما حدث ضمن الإمكانيات والموارد المتاحة.

يُشهد للقيادة الهاشمية حكمتها في التعامل مع النفوذ الإيراني في المنطقة وصدّ العديد من المحاولات لجعل الأردن ساحة لذلك، ويُسجَّل للراحل الحسين مواقفه الثابتة من المطالب الإيرانية لرعاية مقامات الصحابة من آل البيت، والإصرار على أن الهاشميين هم الأقرب والأولى في النسب والحق والأمانة في تحمّل الواجب.

كما يُسجَّل لجلالة الملك عبد الله الثاني رؤيته الثاقبة لمجمل الأحداث، وإصراره المستمر وتأكيده على أن الأردن لن يكون ساحة حرب أو طرفًا في أي نزاع، بل لطالما طالب بوقف التصعيد في المنطقة وضمان حقوق الشعوب في التمتع بالأمان والطمأنينة، وكذلك الأجيال القادمة.

حرب المصالح هي الدافع للثمن الباهظ الذي تدفعه الشعوب، ولنتصور ما دفعه الشعب السوري والعراقي واليمني واللبناني والليبي، بل وما تعرض له من متاعب ومصاعب وتهجير وأهوال نتيجة ذلك وأكثر.

ثمن الحرب ليس سهلًا، ونحن في الأردن ننعم، والحمد لله، بسياسة معتدلة ومتزنة، فيها سلامة المواطن أولوية قصوى يوجّه لها سيدنا جلالة الملك عبد الله الثاني، وتنفذها أجهزتنا الأمنية ومؤسسات الدولة بحزم وقوة ويقظة وسهر وفطنة.

في خضم ما يحدث من حولنا، علينا التمسك بحماية بلدنا وشعبنا بكل قوة، وعدم الانسياق وراء الإشاعات والروايات الكاذبة، وتحري الدقة والشجاعة في الدفاع المنتمي عن الأردن العزيز، بما يتحمله من تحديات جمّة لموقعه وموقفه وسياسته ومجمل رؤيته للمستقبل.

حفظ الله الأردن الغالي من كل شر وسوء، وجعله آمنًا مطمئنًا، وشعبه وقيادته وأجهزته ومؤسساته، يا رب العالمين.