الهند وفلسطين .. انقلاب الجغرافيا على التاريخ !!
لم تكن العلاقة الهندية-العربية يومًا علاقة عابرة أو براغماتية باردة، بل تأسست منذ الاستقلال الهندي على بعدٍ أخلاقي-تحرري، ارتبط بحركات عدم الانحياز وبخطاب مناهضة الاستعمار، يومها وقف جواهر لال نهرو إلى جانب العرب سياسيًا، ورفض الاعتراف بإسرائيل لسنوات طويلة، انسجامًا مع رؤية الهند لنفسها كقوة آسيوية صاعدة مناهضة للاستعمار الغربي، ثم جاءت مرحلة أنديرا غاندي، التي عززت هذا التوجه، ونسجت علاقات متينة مع مصر عبد الناصر والعالم العربي، ضمن إطار حركة عدم الانحياز، حيث تماهت نيودلهي مع الموقف العربي حول فلسطين باعتبارها قضية تحرر وطني.
حتى في عهد راجيف غاندي، بقيت الهند رسميًا ضمن المعسكر المؤيد للحقوق الفلسطينية، واعترفت مبكرًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة معها، لكن هذا الإرث لم يصمد أمام تحولات الجغرافيا السياسية بعد الحرب الباردة.
الانعطافة الكبرى كانت عام 1992 حيث أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، لكن التحول الحقيقي لم يكن في الاعتراف، بل في طبيعة العلاقة، فقد تحولت إسرائيل إلى أحد أهم موردي السلاح للهند، وخصوصًا بعد تصاعد التوتر مع باكستان والصين وبعد ذلك
جاءت مرحلة ناريندرا مودي الحالية لتعلن القطيعة الرمزية مع التاريخ السابق، فزيارته العلنية لتل أبيب، واستقباله الحار من قبل نتنياهو، لم تكن مجرد حدث بروتوكلي، بل إعلان انتقال الهند من موقع " التوازن الأخلاقي " إلى " التحالف الاستراتيجي"، وهو التحالف الذي لم يعد سريًا أو تقنيًا، بل أصبح سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا معلنًا، ولكن السؤال المهم هنا هو لماذا انقلبت الهند على إرثها العربي؟
وفي الجواب يمكنني القول انه نتاج خمسة عوامل استراتيجية:
1: صعود القومية الهندوسية:
حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم يعيد تعريف الهوية الهندية بوصفها هندوسية قومية، ما خلق تقاطعًا أيديولوجيًا مع اليمين الإسرائيلي الذي يعيد تعريف الدولة على أساس قومي-ديني.
2. الحاجة إلى التكنولوجيا العسكرية:
الهند تخوض صراعًا استراتيجيًا مع الصين وباكستان، وإسرائيل توفر لها تقنيات مراقبة وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع متقدمة بسرعة وكفاءة.
3. التراجع العربي الرسمي:
الهند لم تعد ترى كتلة عربية موحدة أو مشروعًا سياسيًا عربيًا جامعًا فانكفاء العرب شجعها على إعادة تموضعها.
4. البراغماتية الاقتصادية:
الهند تستورد الطاقة من الخليج، لكنها تدرك أن هذه العلاقة اقتصادية أكثر منها سياسية.
5. التموضع في المحور الأميركي:
الهند تسعى للاندماج في شبكة تحالفات تقودها واشنطن في مواجهة الصين، وإسرائيل جزء من هذه الشبكة.
فالتقارب الهندي مع اليونان وقبرص، برعاية إسرائيلية، ليس تفصيلًا. إنه جزء من إعادة تشكيل خرائط الطاقة وطرق النقل في شرق المتوسط، ومنافسة مباشرة لأي مشروع عربي مستقل في هذه المنطقة.
هذا التحالف يمنح الهند موطئ قدم استراتيجيًا في المتوسط، ويفتح لها أبواب أوروبا، ويمنح إسرائيل عمقًا آسيويًا.
والسؤال هنا ايضا هل يملك العرب أوراق ضغط؟
نعم، لكن المشكلة ليست في الأدوات بل في الإرادة والتنسيق.
لكن الحقيقة الصعبة ان الهند اليوم قوة صاعدة ذات اقتصاد ضخم يتجاوز ثلاثة تريليونات دولار، وتعداد سكاني يفوق المليار وأربعمائة مليون ولا يمكن " محاصرتها" بالمعنى التقليدي فالضغط المباشر قد يدفعها أكثر نحو إسرائيل، لذلك فان الأجدى هو بناء تكتل عربي تفاوضي موحد مع نيودلهي يؤسس على المصالح المشتركة في المجالات كافة.
... الهند لم تخن تاريخها بقدر ما غادرت عالمًا لم يعد موجودًا، عالم نهرو كان عالم عدم الانحياز، أما عالم مودي فهو عالم المحاور الصلبة والتنافس الجيوسياسي.
... التحول الهندي ليس ضد العرب بقدر ما هو تعبير عن قراءة هندية لميزان القوى العالمي.
حتى في عهد راجيف غاندي، بقيت الهند رسميًا ضمن المعسكر المؤيد للحقوق الفلسطينية، واعترفت مبكرًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، وأقامت علاقات دبلوماسية كاملة معها، لكن هذا الإرث لم يصمد أمام تحولات الجغرافيا السياسية بعد الحرب الباردة.
الانعطافة الكبرى كانت عام 1992 حيث أقامت الهند علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، لكن التحول الحقيقي لم يكن في الاعتراف، بل في طبيعة العلاقة، فقد تحولت إسرائيل إلى أحد أهم موردي السلاح للهند، وخصوصًا بعد تصاعد التوتر مع باكستان والصين وبعد ذلك
جاءت مرحلة ناريندرا مودي الحالية لتعلن القطيعة الرمزية مع التاريخ السابق، فزيارته العلنية لتل أبيب، واستقباله الحار من قبل نتنياهو، لم تكن مجرد حدث بروتوكلي، بل إعلان انتقال الهند من موقع " التوازن الأخلاقي " إلى " التحالف الاستراتيجي"، وهو التحالف الذي لم يعد سريًا أو تقنيًا، بل أصبح سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا معلنًا، ولكن السؤال المهم هنا هو لماذا انقلبت الهند على إرثها العربي؟
وفي الجواب يمكنني القول انه نتاج خمسة عوامل استراتيجية:
1: صعود القومية الهندوسية:
حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم يعيد تعريف الهوية الهندية بوصفها هندوسية قومية، ما خلق تقاطعًا أيديولوجيًا مع اليمين الإسرائيلي الذي يعيد تعريف الدولة على أساس قومي-ديني.
2. الحاجة إلى التكنولوجيا العسكرية:
الهند تخوض صراعًا استراتيجيًا مع الصين وباكستان، وإسرائيل توفر لها تقنيات مراقبة وطائرات مسيرة وأنظمة دفاع متقدمة بسرعة وكفاءة.
3. التراجع العربي الرسمي:
الهند لم تعد ترى كتلة عربية موحدة أو مشروعًا سياسيًا عربيًا جامعًا فانكفاء العرب شجعها على إعادة تموضعها.
4. البراغماتية الاقتصادية:
الهند تستورد الطاقة من الخليج، لكنها تدرك أن هذه العلاقة اقتصادية أكثر منها سياسية.
5. التموضع في المحور الأميركي:
الهند تسعى للاندماج في شبكة تحالفات تقودها واشنطن في مواجهة الصين، وإسرائيل جزء من هذه الشبكة.
فالتقارب الهندي مع اليونان وقبرص، برعاية إسرائيلية، ليس تفصيلًا. إنه جزء من إعادة تشكيل خرائط الطاقة وطرق النقل في شرق المتوسط، ومنافسة مباشرة لأي مشروع عربي مستقل في هذه المنطقة.
هذا التحالف يمنح الهند موطئ قدم استراتيجيًا في المتوسط، ويفتح لها أبواب أوروبا، ويمنح إسرائيل عمقًا آسيويًا.
والسؤال هنا ايضا هل يملك العرب أوراق ضغط؟
نعم، لكن المشكلة ليست في الأدوات بل في الإرادة والتنسيق.
لكن الحقيقة الصعبة ان الهند اليوم قوة صاعدة ذات اقتصاد ضخم يتجاوز ثلاثة تريليونات دولار، وتعداد سكاني يفوق المليار وأربعمائة مليون ولا يمكن " محاصرتها" بالمعنى التقليدي فالضغط المباشر قد يدفعها أكثر نحو إسرائيل، لذلك فان الأجدى هو بناء تكتل عربي تفاوضي موحد مع نيودلهي يؤسس على المصالح المشتركة في المجالات كافة.
... الهند لم تخن تاريخها بقدر ما غادرت عالمًا لم يعد موجودًا، عالم نهرو كان عالم عدم الانحياز، أما عالم مودي فهو عالم المحاور الصلبة والتنافس الجيوسياسي.
... التحول الهندي ليس ضد العرب بقدر ما هو تعبير عن قراءة هندية لميزان القوى العالمي.