وجهات نظر

ليس تناقضاً… إنما حبلُ رجاءٍ

ليس تناقضاً… إنما حبلُ رجاءٍ


في كل عام، ومع إشراقة هلال شهر رمضان، يتبدّل المشهد الروحاني في حياة كثير منا، إذ تصفد الشياطين، وتُغلَق أبواب الغفلة، وتُطوى صفحات من المعاصي اعتادتها النفوس، وتخفُّ وطأة الذنوب التي أثقلت القلب شهوراً طويلة. وهنا يخرج صوتٌ ناقدٌ يقول: كيف يترك الإنسان معصيته في رمضان ثم يعود إليها بعده؟ أليس في ذلك تناقض؟ أليس ضرباً من الادعاء أو المثالية الموسمية؟.
قارئنا الفاضل: الحقيقة أعمق من هذا الاتهام السطحي. فترك المعاصي في رمضان ليس تناقضاً، بل هو استجابة لنداء الفطرة حين تسمع صوت الحق صافياً. ليس ادعاءً للكمال، بل اعترافٌ ضمنيّ بالعودة إلى بارئها. وليس تزييفاً للذات، بل محاولة لترميمها. إن الإنسان حين يضعف أمام شهوته أحد عشر شهراً، ثم يقوى عليها شهراً، فهذا لا يعني أنه منافق، بل يعني أن في داخله جذوة خير ما زالت تتقد، وأن أبواب السماء حين تُفتح، يستحي أن يبقى غارقًا في المعاصي.

رمضان ليس موسماً اجتماعياً للطقوس فحسب؛ بل هو موسم تصحيح الاتجاه. وإعلان سنوي بأن الطريق إلى الله لم يُغلَق، وأن المسافة مهما طالت يمكن قطعها بخطوة صادقة. وحين يمتنع العبد عن معصية اعتادها، ولو ثلاثين يوماً، فإنه يثبت لنفسه أولاً أنه قادر على الانتصار، وأنه ليس أسيراً أبدياً لضعفه. هذه اللحظة ليست تمثيلاً، بل تجربة تحرر. وليست مسرحية أخلاقية، بل تدريباً عملياً على الإرادة.

إن ترك المعصية في رمضان هو حبلٌ رجاء، فحين نبتعد عن الذنوب فإننا لا نعلن الكمال، بل نعلن تقصيرنا. كأننا نقول: يا رب، إني جئتك تائبًا فتقبلني. نتمسك بحبل رجاء وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه». هذا الوعد بالمغفرة ليس دعوة إلى المثالية، بل فتحٌ لباب الأمل. وكأن الرسالة واضحة: لا تيأس من تكرار التوبة، فكل رمضان فرصة جديدة. بل إن الله تعالى ينادي عباده في كتابه الكريم: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾. فكيف يُلام من لبّى النداء في رمضان، ولو جزئياً؟ وكيف يُتَّهم بالتناقض من حاول أن يغيّر إيقاع حياته، ولو مؤقتاً؟

الحقيقة إن ترك المعصية في رمضان هو إعلان شوقٍ إلى الله، حتى لو لم يكتمل. واعتراف بأن القلب لا يحتمل القطيعة الطويلة. فهو لحظة صفاءٍ يتذكر فيها الإنسان أنه خُلق لغاية أسمى من شهوة عابرة أو عادة مكررة. ومن يدري؟ ربما تكون تلك الثلاثون يوماً هي الشرارة التي تغيّر مسار العمر كله.

نعم، قد يعود البعض بعد رمضان إلى ما كان عليه، لكن ذلك لا يُبطل قيمة ما فعله في رمضان. فكل لحظة طاعة تُكتب، وكل دمعة ندم تُحفظ، وكل معصية تُترك –ولو مؤقتاً– تترك أثراً في القلب. القلوب لا تعود كما كانت بعد الصدق، حتى لو تعثرت من جديد. والتعثر لا يعني أن الطريق كان خطأ، بل يعني أن المسير يحتاج إلى مزيد من العزم.

رمضان لا يطلب منا أن نصبح ملائكة، بل أن نكون صادقين. لا يشترط أن نخرج منه بلا ذنب، بل أن نخرج منه بقلبٍ أكثر حياة. أن نشعر أن علاقتنا بالله ليست موسمية بالكامل، بل قابلة للامتداد. قد لا نحافظ على الدرجة ذاتها من الصفاء بعده، لكن يمكننا أن نحافظ على بعض الأثر، على عادة صغيرة، على معصية واحدة نقرر ألا نعود إليها أبداً. فليس التناقض أن تترك الذنب في موسم الطاعة، بل التناقض الحقيقي أن تيأس من نفسك وتستسلم لفكرة أنك لن تتغير. ليس التناقض أن تضعف بعد قوة، بل أن ترفض القوة حين تُعرض عليك. رمضان ليس اختباراً للكمال، بل تدريبٌ على الأمل.

ولعل أجمل ما في الأمر أن الله أقرب إلينا من حبل الوتين يسمع دعاءنا ويعلم رجاءنا، نخطئ ونتوب، نسقط وننهض، نضعف ونقوى. لكنه يحب العبد اللحوح، الذي كلما انقطع الحبل عاد يبحث عنه، وكلما ابتعد الطريق عاد يسأل عنه. فترك المعاصي في رمضان ليس تناقضاً… ولا ادعاءً للمثالية… إنما هو حبلُ رجاءٍ بين العبد وربّه، يُمسك به خائفاً من السقوط، وطامعاً في الوصول. قد يهتز الحبل، وقد تضعف اليد، لكن ما دام القلب متعلّقاً بطرفه، فالأمل باقٍ. فلنُحسن الظن بكل قلبٍ حاول، ولو لم يكتمل. ولنُدرك أن لحظات الطاعة الموسمية قد تكون بذوراً للتغيير. فالله لا يضيع دمعة صدق، ولا يستهين بخطوة عودة أو محاولة إصلاح. ولعل الرجاء هو أعظم ما يملكه عبدٌ في طريقه إلى الله.