الحقائق في مواجهة التشكيك
تجددت في الآونة الأخيرة موجات التشكيك ذاتها، بالوتيرة والأساليب نفسها، وكأن كل نقاش عام قدره أن يختزل في سرديات الريبة قبل أن يقرأ في سياقه الكامل، وخاصة حين يتعلق الأمر بمؤسسات وطنية تحمل على عاتقها مدخرات الناس ومستقبلهم الاجتماعي، فإن خطورة الخطاب المتسرع تتضاعف، لأن الثقة هنا عنصر بنيوي في الاستقرار.
إن أجواء التشكيك التي تتكاثر عبر وسائل التواصل لا تنشأ من فراغ، لكنها في كثير من الأحيان تتغذى على اجتزاء المعلومات، أو إعادة تدوير أرقام خارج سياقها، أو القفز فوق البيانات الرسمية المنشورة والمتاحة للجميع، المفارقة أن الحقائق موجودة في مصادرها الأصيلة؛ في التقارير الدورية، والبيانات الحكومية، والوثائق الصادرة عن المؤسسات ذاتها، غير أن ثقافة التلقي السريع تدفع البعض إلى الاكتفاء بمنشور مقتضب أو مقطع مجتزأ، ثم بناء استنتاجات كبرى عليه بصرف النظر عما يمكن أن تحدثه من ضرر أو أثر سلبي على المستوى الوطني.
لقد أظهرت التجربة الأخيرة المرتبطة بتعديلات قانون الضمان أن جزءا واسعا من الجدل كان يمكن أن يتخذ مسارا أكثر اتزانا لو جرى الرجوع إلى النصوص المعلنة والتصريحات الرسمية الكاملة، خاصة وأن المؤسسات الوطنية المعنية لا تعمل في الظل، وتقارير الأداء والاستثمار منشورة، والمؤشرات المالية متاحة، بما في ذلك معدلات العائد التي تعكس مسارا تراكميا مستقرا، وإن قراءة هذه المعطيات من مصادرها الأصلية تضع النقاش في إطاره الصحيح، وتمنع تحويل الاحتمال إلى يقين، أو التخوف المشروع إلى حكم قاطع.
الوثوق بمؤسساتنا لا يعني تعليق العقل أو تعطيل الرقابة المجتمعية، بل يعني الانطلاق من قاعدة حسن النية المبني على معطيات فعلية وحقيقية، وإدراك أن البناء المؤسسي في الدولة الأردنية لم يكن وليد لحظة، بل حصيلة عقود من التراكم الإداري والتشريعي، وأن التقليل من إنجازات هذه المؤسسات، أو تصويرها بصورة العاجز أو المتواطئ دون بينة، يضعف الثقة العامة بمؤسساتنا ويهز صورتها في وعي المواطنين، ويخلق فجوة يستثمرها خطاب الإحباط.
إن النقد ضرورة صحية، لكن شرطه أن يكون مؤسسا على معلومات دقيقة، وأن يستند إلى وثائق لا إلى انطباعات، حيث أن الفرق جوهري بين مساءلة تستند إلى أرقام وتقارير، وبين تشكيك مفتوح يكتفي بإثارة الشك دون تقديم دليل، فالأولى تعزز الحوكمة وتدفع نحو تحسين الأداء، والثانية تستنزف الطاقة العامة في جدل دائري لا فائدة ترتجى منه سوى التشكيك بالمؤسسات والمنجزات الوطنية على تنوعها.
المسؤولية هنا مشتركة؛ ففي الوقت الذي يجب فيه على المؤسسات أن تواصل نهج الشفافية والإفصاح بلغة واضحة، تقع أيضا على الإعلام مسؤولية التحقق قبل أن ينقل الخبر أو المعلومات، وفي ذات الوقت على المواطنين أن يعودوا إلى المصادر الأصلية قبل تبني أي رواية، فالمجتمع الذي يحترم المعلومة الدقيقة يحمي نفسه من التضليل، ويحصن قراره العام من الانفعال.
في المحصلة، إن الثقة رصيد وطني لا يقل أهمية عن أي مورد مالي، وبناؤها يحتاج إلى وعي جماعي بأن الإنجازات المتحققة في الإدارة والاستثمار والحوكمة هي أساس يمكن تطويره وتعزيزه، لا منصة لهدم الصورة العامة، فلنغادر دائرة الشك غير المستند إلى حقائق دامغة، ولنحتكم إلى الوثيقة والرقم، ولنجعل من الحوار الرشيد سبيلا لتعزيز مؤسساتنا، وصون مكتسباتنا، وترسيخ ثقافة عامة تقوم على المعرفة والمسؤولية في مناقشة القضايا العامة.
تجددت في الآونة الأخيرة موجات التشكيك ذاتها، بالوتيرة والأساليب نفسها، وكأن كل نقاش عام قدره أن يختزل في سرديات الريبة قبل أن يقرأ في سياقه الكامل، وخاصة حين يتعلق الأمر بمؤسسات وطنية تحمل على عاتقها مدخرات الناس ومستقبلهم الاجتماعي، فإن خطورة الخطاب المتسرع تتضاعف، لأن الثقة هنا عنصر بنيوي في الاستقرار.
إن أجواء التشكيك التي تتكاثر عبر وسائل التواصل لا تنشأ من فراغ، لكنها في كثير من الأحيان تتغذى على اجتزاء المعلومات، أو إعادة تدوير أرقام خارج سياقها، أو القفز فوق البيانات الرسمية المنشورة والمتاحة للجميع، المفارقة أن الحقائق موجودة في مصادرها الأصيلة؛ في التقارير الدورية، والبيانات الحكومية، والوثائق الصادرة عن المؤسسات ذاتها، غير أن ثقافة التلقي السريع تدفع البعض إلى الاكتفاء بمنشور مقتضب أو مقطع مجتزأ، ثم بناء استنتاجات كبرى عليه بصرف النظر عما يمكن أن تحدثه من ضرر أو أثر سلبي على المستوى الوطني.
لقد أظهرت التجربة الأخيرة المرتبطة بتعديلات قانون الضمان أن جزءا واسعا من الجدل كان يمكن أن يتخذ مسارا أكثر اتزانا لو جرى الرجوع إلى النصوص المعلنة والتصريحات الرسمية الكاملة، خاصة وأن المؤسسات الوطنية المعنية لا تعمل في الظل، وتقارير الأداء والاستثمار منشورة، والمؤشرات المالية متاحة، بما في ذلك معدلات العائد التي تعكس مسارا تراكميا مستقرا، وإن قراءة هذه المعطيات من مصادرها الأصلية تضع النقاش في إطاره الصحيح، وتمنع تحويل الاحتمال إلى يقين، أو التخوف المشروع إلى حكم قاطع.
الوثوق بمؤسساتنا لا يعني تعليق العقل أو تعطيل الرقابة المجتمعية، بل يعني الانطلاق من قاعدة حسن النية المبني على معطيات فعلية وحقيقية، وإدراك أن البناء المؤسسي في الدولة الأردنية لم يكن وليد لحظة، بل حصيلة عقود من التراكم الإداري والتشريعي، وأن التقليل من إنجازات هذه المؤسسات، أو تصويرها بصورة العاجز أو المتواطئ دون بينة، يضعف الثقة العامة بمؤسساتنا ويهز صورتها في وعي المواطنين، ويخلق فجوة يستثمرها خطاب الإحباط.
إن النقد ضرورة صحية، لكن شرطه أن يكون مؤسسا على معلومات دقيقة، وأن يستند إلى وثائق لا إلى انطباعات، حيث أن الفرق جوهري بين مساءلة تستند إلى أرقام وتقارير، وبين تشكيك مفتوح يكتفي بإثارة الشك دون تقديم دليل، فالأولى تعزز الحوكمة وتدفع نحو تحسين الأداء، والثانية تستنزف الطاقة العامة في جدل دائري لا فائدة ترتجى منه سوى التشكيك بالمؤسسات والمنجزات الوطنية على تنوعها.
المسؤولية هنا مشتركة؛ ففي الوقت الذي يجب فيه على المؤسسات أن تواصل نهج الشفافية والإفصاح بلغة واضحة، تقع أيضا على الإعلام مسؤولية التحقق قبل أن ينقل الخبر أو المعلومات، وفي ذات الوقت على المواطنين أن يعودوا إلى المصادر الأصلية قبل تبني أي رواية، فالمجتمع الذي يحترم المعلومة الدقيقة يحمي نفسه من التضليل، ويحصن قراره العام من الانفعال.
في المحصلة، إن الثقة رصيد وطني لا يقل أهمية عن أي مورد مالي، وبناؤها يحتاج إلى وعي جماعي بأن الإنجازات المتحققة في الإدارة والاستثمار والحوكمة هي أساس يمكن تطويره وتعزيزه، لا منصة لهدم الصورة العامة، فلنغادر دائرة الشك غير المستند إلى حقائق دامغة، ولنحتكم إلى الوثيقة والرقم، ولنجعل من الحوار الرشيد سبيلا لتعزيز مؤسساتنا، وصون مكتسباتنا، وترسيخ ثقافة عامة تقوم على المعرفة والمسؤولية في مناقشة القضايا العامة.