ترامب وإبستين: قراءة نفسية في إدارة الفضيحة!!!
عندما صدر كتاب "نار وغضب" لمايكل وولف مطلع عام 2018، انشغل المجتمع المخملي في اميركا بتفاصيله الفضائحية أكثر من خلاصته المهمة للغاية والتي تشخص نمط حكم لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة، نمط حكم يقوم على شخصنة السلطة وخلط الذات بالمؤسسة، وقتذاك لم يُقرأ الكتاب بوصفه إنذارًا مبكرًا للطبقة السياسية الاميركية والمؤسسات السيادية ومجتمع الثروة والمال، بل كحكايات من كواليس فوضوية، غير أن عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة مرة ثانية، وما رافقها من أزمات متلاحقة، أعادت الاعتبار إلى الكتاب بوصفه وثيقة تفسيرية لسلوك ترامب، اكثر مما هو مجرد سرد صحفي من صحافي يمقت ويكره شخصية دونالد ترامب.
اهمية كتاب "نار وغضب" لم يكن في وصف الصراعات داخل البيت الأبيض، بل في رسم صورة للرئيس بحسب روايات مقربين منه، رئيس يرى الدولة امتدادًا لشخصه، ويقيس الشرعية بمدى الولاء له، وليس بصلابة المؤسسات التى تسنده وتوفر له القوة، هذا النمط بدأ في ولايته الأولى ولكنه كان محاطًا بكوابح من جنرالات، ومستشارين وبيروقراطية عريقة حاولت احتواء اندفاع رئيس متهور وتأجيل بعض قراراته، وتخفيف الصدام مع الجميع تقريبا، أما اليوم، فتبدو تلك الشبكة أضعف، وقد استُبدلت بدائرة أكثر تجانسًا في الولاء، وأقل ميلًا للاعتراض أو المراجعة، و هنا تحولت الفوضى من ضعف خبرة إلى أداة حكم مقصودة أغرت ترامب بالمضي بها.
في خضم كل ذلك تكتسب عودة قضية جيفري إبستين وفضائحها المتشعبة دلالة سياسية ونفسية تتجاوز بعدها القضائي وتتصل بصورة عضوية بفهم شخصية الرئيس ترامب واهوائه، فطريقة التعاطي معها لم تتخذ مسار الاحتواء المؤسسي التقليدي، بل اتسمت بخطاب هجومي متكرر يستند الى التشكيك وتحديدا في الإعلام، والعمل على ربط القضية بدوافع سياسية، وتصوير أي سؤال أو تحقيق بوصفه استهدافًا شخصيًا له، هذه الاستجابة لا تُقرأ كإدانة أو نفي قانوني، بل كاسلوب في إدارة أزمات ترامب حين تُمسّ صورته.
هنا يلتقي ملف إبستين مباشرة مع ما وثّقه "نار وغضب"، رئيس لا يفصل بين المساءلة العامة والهجوم على الذات، ولا يرى في التحقيقات جزءًا من آليات النظام الديمقراطي، بل تهديدًا مباشرًا لصورته وهنا تتحول استراتيجية "الفهلوة الترامبية" المتمثلة في الانكار وشيطنة المنتقدين من ردود فعل مؤقتة إلى أدوات حكم دائمة، فكل أزمة تُدار بذات الاستراتيجية تبدأ بنزع الشرعية عن المصدر، تعبئة القاعدة، وتحويل النقاش من الوقائع إلى معركة هوية وولاء ومتاهة، اللافت أن فضائح إبستين، بما تحمله من حساسية أخلاقية عالية، لم تُنتج لدى ترامب نزعة تهدئة أو ابتعاد، بل على العكس، غذّت خطابه الصدامي وهذا ما يعيدنا إلى تشخيص وولف لمسؤولين سابقين عبّروا عن قلقهم من قدرة ترامب على التعامل مع التعقيد المؤسسي وضغوط القرار، تلك الشكوك تكتسب اليوم وزنًا مضاعفًا، لأن التجربة السابقة، بما رافقها من تحقيقات وأزمات، لم تؤدِّ إلى مراجعة، بل عززت القناعة لدى ترامب بأن الصدام المستمر مع ما يفعله او يقرره لهو دليل قوة وليس سبباً لتعديل السلوك.
من هذه الزاوية، يبدو "نار وغضب" أقل من كونه كتابًا عن مرحلة مضت، وأكثر من كونه تحذيرًا من مسار يتحقق حين تُختزل الدولة في شخصية الرئيس، حينها تتحول الفضائح من أزمات سياسية قابلة للاحتواء إلى معارك ذاتية مفتوحة، وتغدو المؤسسات ساحات اختبار للولاء لا أدوات توازن، وربما لم يكن وولف دقيقًا في كل تفصيل أورده في كتابه لكن الخطوط العريضة لتشخيصه تبدو اليوم أقرب إلى الواقع، رئيس لا يرى في النقد آلية تصحيح، بل هو تهديد له، ولا يتعامل مع السلطة كمسؤولية، بل كحق مكتسب، والسؤال لم يعد محصورًا بترامب وحده، بل بقدرة النظام الأميركي على تحمّل هذا النمط من الحكم دون كلفة بعيدة المدى، اقلها ان الولايات المتحدة فقدت واحدة من اهم الميزات والصفات التى سوقتها علينا في العالم الثالث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باعتبارها حصن الديمقراطية والعدالة والمساواة، الا انها في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي كرس ويكرس في ولايته الثانية نظاما سياسيا جديدا يمكن توصيفه بما يلي: (نظام رئاسي عائلي فقدت فيه الدولة أدوات المساءلة والرقابة) أستطيع وبثقة أن اسمي هذا النظام "بنظام اميركا الترامبية".
عندما صدر كتاب "نار وغضب" لمايكل وولف مطلع عام 2018، انشغل المجتمع المخملي في اميركا بتفاصيله الفضائحية أكثر من خلاصته المهمة للغاية والتي تشخص نمط حكم لم يسبق له مثيل في تاريخ الولايات المتحدة، نمط حكم يقوم على شخصنة السلطة وخلط الذات بالمؤسسة، وقتذاك لم يُقرأ الكتاب بوصفه إنذارًا مبكرًا للطبقة السياسية الاميركية والمؤسسات السيادية ومجتمع الثروة والمال، بل كحكايات من كواليس فوضوية، غير أن عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة مرة ثانية، وما رافقها من أزمات متلاحقة، أعادت الاعتبار إلى الكتاب بوصفه وثيقة تفسيرية لسلوك ترامب، اكثر مما هو مجرد سرد صحفي من صحافي يمقت ويكره شخصية دونالد ترامب.
اهمية كتاب "نار وغضب" لم يكن في وصف الصراعات داخل البيت الأبيض، بل في رسم صورة للرئيس بحسب روايات مقربين منه، رئيس يرى الدولة امتدادًا لشخصه، ويقيس الشرعية بمدى الولاء له، وليس بصلابة المؤسسات التى تسنده وتوفر له القوة، هذا النمط بدأ في ولايته الأولى ولكنه كان محاطًا بكوابح من جنرالات، ومستشارين وبيروقراطية عريقة حاولت احتواء اندفاع رئيس متهور وتأجيل بعض قراراته، وتخفيف الصدام مع الجميع تقريبا، أما اليوم، فتبدو تلك الشبكة أضعف، وقد استُبدلت بدائرة أكثر تجانسًا في الولاء، وأقل ميلًا للاعتراض أو المراجعة، و هنا تحولت الفوضى من ضعف خبرة إلى أداة حكم مقصودة أغرت ترامب بالمضي بها.
في خضم كل ذلك تكتسب عودة قضية جيفري إبستين وفضائحها المتشعبة دلالة سياسية ونفسية تتجاوز بعدها القضائي وتتصل بصورة عضوية بفهم شخصية الرئيس ترامب واهوائه، فطريقة التعاطي معها لم تتخذ مسار الاحتواء المؤسسي التقليدي، بل اتسمت بخطاب هجومي متكرر يستند الى التشكيك وتحديدا في الإعلام، والعمل على ربط القضية بدوافع سياسية، وتصوير أي سؤال أو تحقيق بوصفه استهدافًا شخصيًا له، هذه الاستجابة لا تُقرأ كإدانة أو نفي قانوني، بل كاسلوب في إدارة أزمات ترامب حين تُمسّ صورته.
هنا يلتقي ملف إبستين مباشرة مع ما وثّقه "نار وغضب"، رئيس لا يفصل بين المساءلة العامة والهجوم على الذات، ولا يرى في التحقيقات جزءًا من آليات النظام الديمقراطي، بل تهديدًا مباشرًا لصورته وهنا تتحول استراتيجية "الفهلوة الترامبية" المتمثلة في الانكار وشيطنة المنتقدين من ردود فعل مؤقتة إلى أدوات حكم دائمة، فكل أزمة تُدار بذات الاستراتيجية تبدأ بنزع الشرعية عن المصدر، تعبئة القاعدة، وتحويل النقاش من الوقائع إلى معركة هوية وولاء ومتاهة، اللافت أن فضائح إبستين، بما تحمله من حساسية أخلاقية عالية، لم تُنتج لدى ترامب نزعة تهدئة أو ابتعاد، بل على العكس، غذّت خطابه الصدامي وهذا ما يعيدنا إلى تشخيص وولف لمسؤولين سابقين عبّروا عن قلقهم من قدرة ترامب على التعامل مع التعقيد المؤسسي وضغوط القرار، تلك الشكوك تكتسب اليوم وزنًا مضاعفًا، لأن التجربة السابقة، بما رافقها من تحقيقات وأزمات، لم تؤدِّ إلى مراجعة، بل عززت القناعة لدى ترامب بأن الصدام المستمر مع ما يفعله او يقرره لهو دليل قوة وليس سبباً لتعديل السلوك.
من هذه الزاوية، يبدو "نار وغضب" أقل من كونه كتابًا عن مرحلة مضت، وأكثر من كونه تحذيرًا من مسار يتحقق حين تُختزل الدولة في شخصية الرئيس، حينها تتحول الفضائح من أزمات سياسية قابلة للاحتواء إلى معارك ذاتية مفتوحة، وتغدو المؤسسات ساحات اختبار للولاء لا أدوات توازن، وربما لم يكن وولف دقيقًا في كل تفصيل أورده في كتابه لكن الخطوط العريضة لتشخيصه تبدو اليوم أقرب إلى الواقع، رئيس لا يرى في النقد آلية تصحيح، بل هو تهديد له، ولا يتعامل مع السلطة كمسؤولية، بل كحق مكتسب، والسؤال لم يعد محصورًا بترامب وحده، بل بقدرة النظام الأميركي على تحمّل هذا النمط من الحكم دون كلفة بعيدة المدى، اقلها ان الولايات المتحدة فقدت واحدة من اهم الميزات والصفات التى سوقتها علينا في العالم الثالث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية باعتبارها حصن الديمقراطية والعدالة والمساواة، الا انها في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي كرس ويكرس في ولايته الثانية نظاما سياسيا جديدا يمكن توصيفه بما يلي: (نظام رئاسي عائلي فقدت فيه الدولة أدوات المساءلة والرقابة) أستطيع وبثقة أن اسمي هذا النظام "بنظام اميركا الترامبية".