سوالف

"اليقظة الذهنية" .. بين عنوان رائج يغزو العالم ومفاهيم خلافية

"اليقظة الذهنية" ..  بين عنوان رائج يغزو العالم ومفاهيم خلافية

للعلّم - خلال العقدين الماضيين، شهد مفهوم تمارين «اليقظة الذهنية» (Mindfulness) انتشارًا واسعًا، حتى أصبح جزءا من برامج العمل والتعليم والرعاية الصحية، ووصل إلى تطبيقات الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. وغالبًا ما تُقدَّم هذه الممارسة بوصفها مهارة بسيطة تقوم على الهدوء والتركيز في اللحظة الراهنة، مع وعود بتخفيف التوتر وتحسين النوم والصحة النفسية.

لكن هذا الانتشار السريع يخفي وراءه مشكلة جوهرية، بحسب أستاذ الفلسفة رونالد غرين، الذي يرى أن العلماء والمتخصصين لا يزالون مختلفين حول تعريف «اليقظة الذهنية» نفسها، فضلًا عن كيفية قياسها علميًا. وهذا الخلاف، كما يوضح في مقال نشرته مجلة The Conversation، يجعل نتائج الأبحاث متباينة، وأحيانًا مربكة لمن يسعون للاستفادة من هذه الممارسة.

وتشبه مفاهيم اليقظة الذهنية في بعض جوانبها -وتتقاطع أحيانا مع- مفاهيم "اليوغا". وتعود جذور اليقظة الذهنية إلى تقاليد روحية آسيوية عريقة، مثل البوذية والهندوسية والجاينية والسيخية. ففي البوذية، تركز تعاليم "ساتيباتانا سوترا" على مراقبة الجسد والعقل لحظة بلحظة، بينما تقوم ممارسة "الديانا" الهندوسية على التركيز العميق في التنفس أو الترديد، وتهدف "سمايكا" في الجاينية إلى تنمية الاتزان الداخلي، في حين يشجع "سيمران" في السيخية على استحضار الوعي الروحي المستمر.

ومع نهاية القرن العشرين، جرى تكييف هذه الممارسات ضمن أطر علمية وعلاجية حديثة، أبرزها برامج خفض التوتر القائم على اليقظة الذهنية. ومنذ ذلك الحين، انتقل المفهوم إلى مجالات علم النفس والطب والتعليم، وأصبح أداة متعددة الاستخدامات، لكن بتعريفات مختلفة.

لماذا يختلف العلماء؟
يكمن جوهر المشكلة في أن كل فريق بحثي ينطلق من تصور مختلف لليَقظة الذهنية. فبعض العلماء يركزون على جانب الانتباه والتركيز في الحاضر، بينما يراها آخرون وسيلة لإدارة المشاعر والضغوط. وهناك من يربطها بتعزيز التعاطف مع الذات، أو حتى بتنمية الوعي الأخلاقي واتخاذ قرارات أكثر حكمة.

وهذا التباين ينعكس بوضوح في أدوات القياس المستخدمة. فمقياس «الانتباه والوعي الذهني» (MAAS) يركز على الحضور الذهني، بينما يهتم «مقياس فرايبورغ» بقدرة الفرد على ملاحظة أفكاره ومشاعره دون إصدار أحكام. وفي المقابل، يضيف مقياس «التجارب الشاملة لليقظة» بعدًا أخلاقيًا يغفله كثيرون.

ويعني غياب تعريف موحد أن نتائج الدراسات قد لا تكون قابلة للمقارنة، وأن البرامج التدريبية قد تقدم فوائد مختلفة تمامًا عما يتوقعه المشاركون. فبرنامج يهدف إلى تقليل التوتر سيختلف في جوهره عن آخر يركز على التعاطف أو السلوك الأخلاقي.

ومع ذلك، تشير الأبحاث إلى أن أشكال اليقظة المختلفة تحقق فوائد متنوعة؛ فممارسات التركيز تحسن الأداء والانتباه، بينما تساعد أساليب القبول على إدارة القلق والألم المزمن، في حين تعزز البرامج القائمة على التعاطف المرونة النفسية.

ويخلص الباحثون إلى أن «اليقظة الذهنية» ليست مفهومًا واحدًا جامدًا، بل عائلة من الممارسات، وعلى الأفراد والمؤسسات اختيار ما يتناسب مع أهدافهم واحتياجاتهم، بدل الاكتفاء بالصورة المبسطة الشائعة عنها.