وجهات نظر

التحديث السياسي ومعضلة مجلس النواب

التحديث السياسي ومعضلة مجلس النواب


نخطئ عندما نعتبر مجلس النواب الهدف الأسمى لأي تحديث سياسي، لأن مجلس النواب في الحقيقة هو نتاج عاملين أساسيين، وهما الثقافة المجتمعية وقانون الانتخاب. صحيح أن قانون الانتخاب هو نتاج مباشر للتحديث السياسي مهما اتفقنا مع القانون أو اختلفنا، إلا أن ثقافة المجتمع أو الثقافة المجتمعية هي نتيجة حتمية وعميقة لطبيعة أي مجتمع وبناه القيمية والمسلكية ولتقاليده وعاداته وأعرافه، وهذه كلها مرتكزات لا تتغير بتنظير في وثيقة أو في مواد تشريعية مهما كان هذا التشريع عصريًا ويحاكي الديمقراطيات الغربية، طالما بقيت هناك فجوة كبيرة بين المجتمع والتشريعات، وهذه الفجوة تركت آثارها الواضحة على نتائج الحراك والتحديث السياسي منذ تأسيس الدولة الأردنية.

كيف إذن تحوّل مجلس النواب إلى معضلة أساسية في مسيرة التحديث السياسي؟ قد يبدو هذا السؤال غير منطقي أو متعسفًا، لكن الواقع يؤكد ذلك، والتجربة تعمّق هذه الحقيقة، وهي تمامًا تشبه معضلة التعليم؛ فهل الهدف هو التحصيل الدراسي، أي العلامات، أم مدى تحصيل المعارف والمهارات؟ ولعل أبرز ركائز هذه المعضلة أن أي تحديث سياسي يمر حتمًا من بوابة مجلس النواب، لأن عصب هذا التحديث أو ذاك يصبح تشريعًا – وهذه قضية تحتاج نقاشًا – ومجلس النواب هو المشرّع إلى جانب مجلس الأعيان، وهنا تبرز المعضلة في الاتجاهين: الأول أن التحديث السياسي يُختزل في التشريع والتشريع فقط، والباقي هوامش غير مؤثرة، والثانية أن النائب في مجلس النواب هو صاحب مصلحة مباشرة في أي تشريع يخص الانتخابات النيابية، ناهيك عن أن هناك كتلًا وأحيانًا تيارات داخل المجلس –أي مجلس– لها أجنداتها ومصالحها السياسية، مما لا يجعل من القانون مصلحة وطنية صافية، بل قد يُؤخذ في بعض مواده وبنوده إلى غير ما يُرام، وبحسب قدرة هذه القوى على التأثير داخل المجلس وخارجه.

الأمر الآخر الذي يجعل من مجلس النواب معضلة في هذا السياق أيضًا، أن النائب غالبًا وضمن المنطق الانتخابي ينحاز إلى القانون الذي انتُخب من خلاله، ولا يساند أي تعديل من شأنه أن يقلل من فرص نجاحه أو نجاح تياره في أي قانون جديد قد يُطرح، وهذا أيضًا يترافق دائمًا مع انخفاض شعبية أي مجلس نواب بُعيد انتخابه، ويتكرر تفاقم إحساس الناخب بأن المجلس لا يمثله، وهذا يعطي مردودًا سلبيًا لجهود التحديث السياسي المستمرة، لأن مجلس النواب في العرف السياسي والديمقراطي هو صاحب الفصل في أي تشريع تتبناه أي حكومة، وهذا يأخذنا حتمًا لربط هذه المخرجات بما ذُكر سابقًا، وهي الفجوة بين المجتمع وثقافته المتجذرة وبين التشريع وغاياته المتعددة الطبقات، غير أن كل ذلك يؤشر بشكل واضح أن أي تحديث لا يُوجَّه بشكل أساسي إلى المجتمع وينبع من ثقافته ومزاجه العام يبقى غير ملموس النتائج بما يتفق مع حجم الجهود التي بُذلت وتُبذل، مع التأكيد أن أي تغيير داخل الثقافة المجتمعية يحتاج إلى برامج شاملة وطويلة المدى وتتسم بالصبر والفهم العميق، على أن تكون من داخل ثقافة المجتمع لا مسقطة عليه.

لعل من عوامل تعميق هذه المعضلة وبروزها أكثر في العقد والنصف الأخيرين بعض التعديلات الدستورية، التي لم تأخذ وقتها الكافي في دراسة الأثر نتيجة ضغوط ما سُمّي بالربيع العربي، ومن أهمها إلغاء القوانين المؤقتة وربط مصير الحكومة ومجلس النواب معًا، وهذا حرم التحديث السياسي من سلاسة التحرك، وأخّر عمل الحكومة في إنجاز التوجيهات السامية في تسريع تطوير الحياة السياسية وإدماج الجميع فيها وبالأخص الشباب، إلا أن كل ذلك أصبح رهين تركيبة ومزاج مجلس النواب، وصعوبة ذلك تكمن في أنه في حالة بروز أي عقدة سياسية أو ظرف إقليمي كبير يتطلب إعادة تموضع سياسي داخلي، يصبح حل مجلس النواب معضلة تشريعية، لأن الحكومة مضطرة إلى التعامل مع مجلس النواب –أي مجلس نواب– في حال الحاجة إلى تغيير تشريعي يخص قانون الانتخاب وقانون الأحزاب والإدارة المحلية، وهذا قد يكون في هذا الظرف الاستثنائي الملح عامل تعطيل أو تأخير أو رفض، وهذه جملة عوامل تجعل من مجلس النواب ضمن الواقع الحالي معضلة مرتبطة بمراحل التحديث السياسي القادمة وسلاسة مراحلها، مما يؤكد أهمية إجراء تعديلات دستورية مدروسة لحلحلة هذا الواقع الذي كشفته التجارب الأخيرة.