وجهات نظر

الجيش العربي .. التحول البنيوي في زمن السيولة الدولية

الجيش العربي ..  التحول البنيوي في زمن السيولة الدولية


ذهبت كثير من التوقعات بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية إلى أن الدبابات الروسية ستدخل العاصمة الأوكرانية كييف خلال أيام في موكب يعيد إلى الأذهان دخول الدبابات السوفييتية إلى بودابست 1956 وبراغ 1968، ولكن الزمن تغير كثيرًا، ولم تعد الحرب كما كانت سابقًا، والدعم الذي تحصل عليه الأوكرانيون كان نوعيًا أكثر منه كميًا، ولذلك تمكنوا من إطالة أمد الحرب أبعد كثيرًا من التوقعات.

الحرب في أوكرانيا تصنع فصولًا من تاريخ نظرية الأمن الحديثة، وداخلها تحدث تحولات كبيرة في مفهوم العمل العسكري، فالطائرات التي دخلت إلى العمليات العسكرية مع الايطاليين في ليبيا 1911 تتجاوز أدوارها اليوم التمهيد والمساندة والتغطية، وتصل إلى الدور الحاسم في الحرب، وهي طائرات غير تقليدية تقوم بفتح طرقات في السماء، ولكنها طائرات ذكية يمكن أن تصل إلى أكثر الأهداف صعوبة وتأمينًا وتفردًا، وبجانب المطارق الثقيلة التي كان يحملها سلاح الجو، أصبح اليوم يمتلك دقة جراحية في بعض العمليات التي كانت تتطلب إنزالات عسكرية وتواجدًا ميدانيًا.

تغيرت الحرب بالتحولات الرئيسية في أهدافها من الأساس، فاليوم لم تعد السيطرة البشرية على الموقع الجغرافي هي الغاية الأساسية، ذلك كان في مرحلة استعمارية سابقة لم تكن الشركات الكبرى تستطيع فيها أن تقوم بعمليات التوريد الواسعة كما هي اليوم، وفي مرحلة كانت حسابات العامل البشري مختلفة، فعندما احتلت بريطانيا مصر كان تعداد البريطانيين أكثر من 26 مليونًا، بينما لا يتجاوز المصريون سبعة ملايين نسمة، واليوم المعادلة مختلفة تمامًا، والقدرة على حشد الجنود تراجعت في الغرب بجانب التكلفة المرتفعة التي تجعل استبقاء الأفراد في العجلة الاقتصادية المحلية أكثر جدوى من إرسالهم للحرب خارج الحدود.

حضرت هذه العوامل والتصورات عند صياغة الرسالة الذي وجهها الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة تكلفة استراتيجية وخارطة طريق لتحقيق تحول بنيوي في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي خلال السنوات الثلاث القادمة، لتتمكن من الوصول إلى هيكلة أكثر استجابة مع طبيعة الحروب المعاصرة الهجينة وغير التقليدية.

أثبت الجيش العربي كفاءة مشهودة في إدارة العمليات في بيئات مختلفة وصعبة، وكانت معظم محطات الاشتباك في تاريخ الجيش ومشاركاته معقدة استراتيجيًا وعملياتيًا، واتصفت القيادة بالاستجابة للعديد من المستجدات في خارطة الحرب، فكان الانتقال من التركيز على الدبابات التقليدية تجاه العربات المصفحة التي تستطيع الاشتباك داخل المدن وفي حروب تستهدف الميليشيات وقدرتها على الحركة السريعة والمناورة وإعادة التمركز، ولكن التغيير في المحطات الأخيرة يتحول إلى فلسفة جديدة في الحرب وفي مفهوم السيطرة بحيث لم يعد ثمة مكان لحروب عالية التكلفة أو صفرية بقدر ما هو إجراءات عملياتية محددة وواضحة تستهدف التعامل مع معلومات استخباراتية أصبحت تتواصل مع ما يشبه بنية فضائية وإلكترونية كاملة.

الفقرة التي تسترعي الانتباه خارج السياق الذي ترسمه الظروف الراهنة هي الحديث عن الاحتياط بمعنى توفير مؤونة كافية من المقاتلين الذين يمكن استدعاؤهم في حالات الطوارئ، وهو ما يشمل رفع كفاءة القوات الرديفة Paramilitary مثل الدرك والشرطة الخاصة، وربما التوسع في برامج خدمة العمل، وتعزيز التواصل بين الجيش بوصفه بنية مركزية ومحترفة، وبين حاجات متجددة ومستجدة من المخزون البشري المؤهل للقيام بأدوار مساندة بقدرة عالية من الانسجام لغايات تحقيق الأهداف العسكرية.

ما الذي يدفع إلى ذلك؟

يمر العالم بمرحلة واسعة من التغيرات العميقة، ويمكن أن تحدث تجارب فيدرالية أو شبه فيدرالية في الفضاء الإقليمي الأوسع للأردن، والطروحات لم تعد خافية مع طروحات مثل التي قدمها المبعوث الأمريكي لسوريا توم باراك، وقد تكون هذه التحولات جزءًا من تجارب أوسع، أو حالات مستقرة لمدى زمني أوسع، ولكن يجب أن لا نتعامل معها كمجرد أفكار، فالبلقنة بوصفها مختبرًا للتفكيك وإعادة التركيب درس تاريخي أطل برأسه في العديد من المحطات ومنها وضع جزيرة قبرص، وما يحدث حاليًا هو نوبة من أشباح البلقان تتجول في المنطقة، ويمكن أن تتوسع وتتمدد وأن تدخل أطوارًا قلقة أو متوترة، خاصة أن ما يفهم في تاريخ ما بعد انهيار الكتلة الشرقية يذهب إلى أن التصورات التي توضع على الطاولة في البيت الأبيض ليست قدرًا مبرمًا، ففي أفغانستان لم تسفر المحاولات الأمريكية عن نتيجة نهائية.

المحافظة على كينونة الأردن الوجودية مسؤولية جمعية يقع الجيش العربي في قلب المنظومة التي تحميها وتحرسها، وهذا مبدأ رئيسي، ويمكن أن الوضع الراهن ضمن منظومة المخاطر التقليدية أكثر من كافٍ لتحقيق ذلك، ولكن حالة السيولة المحتملة والتحولات في مفهوم الحرب والسيطرة وتأمين سلاسل التوريد يتطلب مقاربة جديدة لرؤية الجيش العربي وقدرته على الاستجابة الجراحية خارج مفهوم الحرب التقليدية، وبين التكنولوجيا وكفاءة الأفراد في مهام غير تقليدية، يتطلب الوصول إلى هيكلية جديدة قراءة مغايرة للواقع والمستقبل.

وردت في الرسالة أيضًا العقيدة القتالية، وهي مصطلح مختلف عن عقيدة الجيش التي تبقى من غير مساس بوضوح واجباته وأدواره وحتى ما يتصل بدور تاريخي تنموي ومتصل مجتمعيًا من غير أن يتحول الجيش إلى كتلة منعزلة عن المجتمع، ولكن التغير الأساسي حدث بالفعل مع الضربات التي وجهت لتجار المخدرات والميليشيات في الجنوب السوري، فالعقيدة القتالية السابقة كانت النأي تمامًا ومطلقًا عن التفاعلات في الدول المحيطة بالأردن، والاكتفاء بالتمركز على الحدود الأردنية، ولكن المستجد في هذه الحالة ومع وجود محاولات تسلل تحاوط الأردني من غير الدولة الوطنية التي استقرت العلاقات معها، وجرت التفاهمات ضمن عقيدة الجيش القومية، فالجيش الأردني يحمل تسمية الجيش العربي إلى اليوم.

يمكن للجيش أن يخلق محيطًا استراتيجيًا يحاوط الأردن في حالة وجود صدمات عنيفة تحول وقدرة الدول المجاورة على ضبط المناطق الحدودية أو وصولها إلى لحظات من الفوضى تجعل الميليشيات هي التي تتحكم في المشهد، وخاصة تلك العقائدية التي ترى الأرض مجرد فضاء جغرافي من غير صفات سيادية.

لتقريب هذه الوجهة، وعندما شهدت سوريا الشقيقة أحداث 1982 – 1984 ووصول دمشق إلى الاقتتال الأهلي العنيف، اتخذ الأردن موقفًا منكفئًا بعيدًا عن ذلك كله، فالصراع كان داخل النظام والدولة، أما في الأشهر الأخيرة، فالصراع كان يلقي بتهديدات تمس الأردن، ولذلك لم يكن الصمت أو السلبية على قائمة الخيارات الأردنية، ولم يكن الأردن سعيدًا بالقطع، بالمعنى السياسي والوجداني بأن تحلق طائراته لتضرب أهدافًا داخل سوريا الشقيقة، ولكن ذلك كان لمصلحة سوريا كيانيًا و وجوديًا، كما أن الأولوية ليست أن يكون الأردن سعيدًا بل آمنًا، خاصة في ظروف مرتبكة ومعقدة.

ليست المرة الأولى التي تتغير فيها قواعد الحرب والأمن، ولا هي المرة الأولى التي يتغير فيها العالم وخرائطه، والحكم على أي دولة وفقًا لنظرية مهمة تحرك التاريخ هي في الاستجابة للتحديات، والرسالة الأخيرة تحدد قواعد الاستجابة ومتطلباتها، والجيش الذي تمكن من خوض معارك شجاعة ونبيلة، يمكن أن يضيف إلى تاريخه معارك أخرى ذكية في وسط بيئة غير مستقرة وغير واضحة الأهداف، بيئة تجريبية في محطة جديدة من التحولات العالمية.