الجيش العربي في زمن التفكير الاستراتيجي الملكي
عند قراءة توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة بشأن إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، يتبدّى أمامي نص سياسي– قانوني بامتياز، يتجاوز في دلالاته الإطار العسكري الصرف، ليؤسس لمرحلة جديدة في إدارة القوة الوطنية للدولة الأردنية. فهذه التوجيهات لا يمكن فهمها بوصفها استجابة ظرفية أو إجراءً تنظيمياً محدود الأثر، بل تمثل خطوة سيادية محسوبة، تنبع من إدراك عميق لمكانة الجيش في بنية الدولة الدستورية، ولدوره بوصفه أحد أعمدة الاستقرار، وركناً من أركان الشرعية والحماية في آن واحد.
إن ما يلفت النظر في هذه التوجيهات، من منظور سياسي وقانوني، هو أنها تصدر عن قائد يتمتع بمدارك إستراتيجية ناضجة، لا تنحصر في قراءة المشهد الأمني الراهن، بل تمتد إلى استشراف التحولات البنيوية في طبيعة الصراع الدولي والإقليمي. جلالة الملك، بخلفيته العسكرية وخبرته الطويلة في الشأن الدفاعي، لا يتعامل مع مفهوم الأمن الوطني كحالة جامدة، وإنما كعملية مستمرة تتطلب مراجعة دائمة للأدوات والهياكل والعقيدة العسكرية، بما ينسجم مع المتغيرات المتسارعة في البيئة الدولية. ومن هنا، فإن الدعوة إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي تشكل قراراً تاريخياً قد تمتد آثاره لسنوات طويلة، وربما لعقود، لأنه يمس جوهر بناء القوة، لا مظاهرها.
سياسياً، تحمل التوجيهات الملكية رسالة واضحة مفادها أن الدولة الأردنية لا تنتظر لحظة الخطر لتعيد ترتيب بيتها الداخلي، بل تمارس سيادتها الإستراتيجية في أوقات الهدوء النسبي، مستثمرة الزمن كعنصر قوة. هذا السلوك السياسي يعكس درجة عالية من النضج في إدارة الدولة، ويؤكد أن القرار العسكري في الأردن ليس معزولاً عن الرؤية السياسية الشاملة، بل مندمج فيها، ومعبّر عنها. فإعادة الهيكلة هنا ليست استجابة لضغط خارجي، ولا انعكاساً لهواجس آنية، وإنما خيار وطني مستقل، يستند إلى قراءة عقلانية لمسار العالم، ولموقع الأردن فيه.
أما من الزاوية القانونية والدستورية، فإن أهمية هذه التوجيهات تكمن في أنها تُجسد ممارسة واعية لصلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة ضمن الإطار الدستوري، وبما يعزز مبدأ المسؤولية المؤسسية. فبدلاً من فرض نموذج جاهز أو صيغة مغلقة، اختار جلالة الملك أن يمنح رئيس هيئة الأركان المشتركة الثقة والمساحة لتقديم مقترح متكامل لإعادة الهيكلة، متضمناً خريطة طريق واضحة وقابلة للتنفيذ. هذا النهج يعكس احتراماً عميقاً لمبدأ التدرج القيادي، وإيماناً بكفاءة المؤسسة العسكرية وقدرتها على إنتاج الحلول من داخلها، ويؤكد أن الثقة الملكية بالجيش ليست شعاراً، بل ممارسة عملية تترجم إلى تفويض مسؤول ومساءلة واعية.
إن منح رئيس هيئة الأركان المشتركة هذه الفرصة لا يمكن قراءته إلا في سياق الثقة الكبيرة التي يوليها جلالة الملك للقيادة العسكرية، وللمهنيّة العالية التي يتمتع بها ضباط الجيش الأردني. فالقائد الذي لا يثق بمؤسسته يميل إلى المركزية المفرطة، أما القائد الواثق، فيعرف متى يضع الإطار العام، ومتى يترك للمختصين مساحة الإبداع والاجتهاد ضمن هذا الإطار. ومن هنا، فإن هذا التوجيه يعكس نموذجاً متقدماً في القيادة، يقوم على الجمع بين الحسم في الرؤية، والمرونة في التنفيذ.
وتبرز في التوجيهات الملكية قراءة دقيقة لطبيعة القوة العسكرية في العصر الحديث، حيث لم تعد الجيوش تُقاس بحجمها العددي فقط، بل بقدرتها على الردع، والتكيف، وإدارة المعرفة، والسيطرة على الفضاءات الجديدة للصراع، وفي مقدمتها الفضاء السيبراني والتكنولوجي. إن تركيز جلالة الملك على بناء قوات رشيقة ومرنة ونوعية يعكس فهماً متقدماً لمعادلة القوة، ويؤكد أن الهدف ليس استعراض القوة، بل امتلاكها وتوظيفها بحكمة ضمن سياق الردع الإستراتيجي وحماية المصالح الوطنية العليا.
كما أن الإشارات الواضحة إلى حماية مراكز الثقل الإستراتيجية، وبناء منظومات قيادة وسيطرة واتصالات آمنة وموثوقة، تحمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن دلالاتها العسكرية. فهي تؤكد أن الدولة الأردنية تنظر إلى أمنها بوصفه منظومة شاملة، تتكامل فيها الأبعاد العسكرية والأمنية والتكنولوجية، وتُدار وفق رؤية مركزية واعية، لا وفق ردود فعل مجتزأة. وهذه الرسائل المعلنة، بقدر ما تطمئن الداخل الأردني، فإنها توجه للخارج خطاباً هادئاً مفاده أن الأردن يمتلك من الجاهزية والقدرة ما يكفل له حماية استقراره دون انجرار إلى منطق التصعيد أو الاستعراض.
ولا يقل أهمية عن ذلك البعد المتعلق بالصناعات الدفاعية الوطنية، حيث يعيد جلالة الملك التأكيد على دور المركز الأردني للتصميم والتطوير بوصفه ركيزة سيادية في بناء الاستقلال الدفاعي. هذا التوجه يعكس فهماً قانونياً وسياسياً بأن الاعتماد الكامل على الخارج في مجال التسليح والتكنولوجيا يحدّ من حرية القرار الوطني، ويجعل الأمن عرضة لتقلبات السياسة الدولية. ومن هنا، فإن الاستثمار في البحث والتطوير والتصنيع الدفاعي المحلي يمثل، في جوهره، استثماراً في السيادة والاستقلال الإستراتيجي.
كما تكشف التوجيهات عن وعي عميق بأهمية الحوكمة داخل المؤسسة العسكرية، من خلال الدعوة إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للجيش وفق أعلى المعايير المهنية. وهذا البعد، وإن بدا إدارياً، إلا أنه يعكس فهماً متقدماً للعلاقة بين الكفاءة الاقتصادية والقوة العسكرية، ويؤكد أن الانضباط والشفافية يجب أن يكونا سمة شاملة، لا استثناءً محصوراً في الميدان.
في تقديري، تمثل هذه التوجيهات محطة تاريخية في مسار تطوير القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، ليس فقط لما تحمله من مضامين عسكرية، بل لما تعكسه من نضج سياسي، ووعي قانوني، وثقة راسخة بالمؤسسة العسكرية. إنها رسالة واضحة بأن جلالة الملك لا ينظر إلى الجيش كأداة قوة فحسب، بل كمؤسسة وطنية شريكة في صناعة المستقبل، وأن هذه الشراكة قائمة على الثقة، والكفاءة، والمسؤولية. وهي خطوة قد تمتد آثارها عميقاً في بنية الدولة الأردنية، وتؤسس لمرحلة يتعزز فيها دور الجيش في حماية الوطن، ومواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
عند قراءة توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة بشأن إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، يتبدّى أمامي نص سياسي– قانوني بامتياز، يتجاوز في دلالاته الإطار العسكري الصرف، ليؤسس لمرحلة جديدة في إدارة القوة الوطنية للدولة الأردنية. فهذه التوجيهات لا يمكن فهمها بوصفها استجابة ظرفية أو إجراءً تنظيمياً محدود الأثر، بل تمثل خطوة سيادية محسوبة، تنبع من إدراك عميق لمكانة الجيش في بنية الدولة الدستورية، ولدوره بوصفه أحد أعمدة الاستقرار، وركناً من أركان الشرعية والحماية في آن واحد.
إن ما يلفت النظر في هذه التوجيهات، من منظور سياسي وقانوني، هو أنها تصدر عن قائد يتمتع بمدارك إستراتيجية ناضجة، لا تنحصر في قراءة المشهد الأمني الراهن، بل تمتد إلى استشراف التحولات البنيوية في طبيعة الصراع الدولي والإقليمي. جلالة الملك، بخلفيته العسكرية وخبرته الطويلة في الشأن الدفاعي، لا يتعامل مع مفهوم الأمن الوطني كحالة جامدة، وإنما كعملية مستمرة تتطلب مراجعة دائمة للأدوات والهياكل والعقيدة العسكرية، بما ينسجم مع المتغيرات المتسارعة في البيئة الدولية. ومن هنا، فإن الدعوة إلى إعادة هيكلة القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي تشكل قراراً تاريخياً قد تمتد آثاره لسنوات طويلة، وربما لعقود، لأنه يمس جوهر بناء القوة، لا مظاهرها.
سياسياً، تحمل التوجيهات الملكية رسالة واضحة مفادها أن الدولة الأردنية لا تنتظر لحظة الخطر لتعيد ترتيب بيتها الداخلي، بل تمارس سيادتها الإستراتيجية في أوقات الهدوء النسبي، مستثمرة الزمن كعنصر قوة. هذا السلوك السياسي يعكس درجة عالية من النضج في إدارة الدولة، ويؤكد أن القرار العسكري في الأردن ليس معزولاً عن الرؤية السياسية الشاملة، بل مندمج فيها، ومعبّر عنها. فإعادة الهيكلة هنا ليست استجابة لضغط خارجي، ولا انعكاساً لهواجس آنية، وإنما خيار وطني مستقل، يستند إلى قراءة عقلانية لمسار العالم، ولموقع الأردن فيه.
أما من الزاوية القانونية والدستورية، فإن أهمية هذه التوجيهات تكمن في أنها تُجسد ممارسة واعية لصلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة ضمن الإطار الدستوري، وبما يعزز مبدأ المسؤولية المؤسسية. فبدلاً من فرض نموذج جاهز أو صيغة مغلقة، اختار جلالة الملك أن يمنح رئيس هيئة الأركان المشتركة الثقة والمساحة لتقديم مقترح متكامل لإعادة الهيكلة، متضمناً خريطة طريق واضحة وقابلة للتنفيذ. هذا النهج يعكس احتراماً عميقاً لمبدأ التدرج القيادي، وإيماناً بكفاءة المؤسسة العسكرية وقدرتها على إنتاج الحلول من داخلها، ويؤكد أن الثقة الملكية بالجيش ليست شعاراً، بل ممارسة عملية تترجم إلى تفويض مسؤول ومساءلة واعية.
إن منح رئيس هيئة الأركان المشتركة هذه الفرصة لا يمكن قراءته إلا في سياق الثقة الكبيرة التي يوليها جلالة الملك للقيادة العسكرية، وللمهنيّة العالية التي يتمتع بها ضباط الجيش الأردني. فالقائد الذي لا يثق بمؤسسته يميل إلى المركزية المفرطة، أما القائد الواثق، فيعرف متى يضع الإطار العام، ومتى يترك للمختصين مساحة الإبداع والاجتهاد ضمن هذا الإطار. ومن هنا، فإن هذا التوجيه يعكس نموذجاً متقدماً في القيادة، يقوم على الجمع بين الحسم في الرؤية، والمرونة في التنفيذ.
وتبرز في التوجيهات الملكية قراءة دقيقة لطبيعة القوة العسكرية في العصر الحديث، حيث لم تعد الجيوش تُقاس بحجمها العددي فقط، بل بقدرتها على الردع، والتكيف، وإدارة المعرفة، والسيطرة على الفضاءات الجديدة للصراع، وفي مقدمتها الفضاء السيبراني والتكنولوجي. إن تركيز جلالة الملك على بناء قوات رشيقة ومرنة ونوعية يعكس فهماً متقدماً لمعادلة القوة، ويؤكد أن الهدف ليس استعراض القوة، بل امتلاكها وتوظيفها بحكمة ضمن سياق الردع الإستراتيجي وحماية المصالح الوطنية العليا.
كما أن الإشارات الواضحة إلى حماية مراكز الثقل الإستراتيجية، وبناء منظومات قيادة وسيطرة واتصالات آمنة وموثوقة، تحمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن دلالاتها العسكرية. فهي تؤكد أن الدولة الأردنية تنظر إلى أمنها بوصفه منظومة شاملة، تتكامل فيها الأبعاد العسكرية والأمنية والتكنولوجية، وتُدار وفق رؤية مركزية واعية، لا وفق ردود فعل مجتزأة. وهذه الرسائل المعلنة، بقدر ما تطمئن الداخل الأردني، فإنها توجه للخارج خطاباً هادئاً مفاده أن الأردن يمتلك من الجاهزية والقدرة ما يكفل له حماية استقراره دون انجرار إلى منطق التصعيد أو الاستعراض.
ولا يقل أهمية عن ذلك البعد المتعلق بالصناعات الدفاعية الوطنية، حيث يعيد جلالة الملك التأكيد على دور المركز الأردني للتصميم والتطوير بوصفه ركيزة سيادية في بناء الاستقلال الدفاعي. هذا التوجه يعكس فهماً قانونياً وسياسياً بأن الاعتماد الكامل على الخارج في مجال التسليح والتكنولوجيا يحدّ من حرية القرار الوطني، ويجعل الأمن عرضة لتقلبات السياسة الدولية. ومن هنا، فإن الاستثمار في البحث والتطوير والتصنيع الدفاعي المحلي يمثل، في جوهره، استثماراً في السيادة والاستقلال الإستراتيجي.
كما تكشف التوجيهات عن وعي عميق بأهمية الحوكمة داخل المؤسسة العسكرية، من خلال الدعوة إلى إعادة هيكلة الصناديق والشركات الاستثمارية التابعة للجيش وفق أعلى المعايير المهنية. وهذا البعد، وإن بدا إدارياً، إلا أنه يعكس فهماً متقدماً للعلاقة بين الكفاءة الاقتصادية والقوة العسكرية، ويؤكد أن الانضباط والشفافية يجب أن يكونا سمة شاملة، لا استثناءً محصوراً في الميدان.
في تقديري، تمثل هذه التوجيهات محطة تاريخية في مسار تطوير القوات المسلحة الأردنية- الجيش العربي، ليس فقط لما تحمله من مضامين عسكرية، بل لما تعكسه من نضج سياسي، ووعي قانوني، وثقة راسخة بالمؤسسة العسكرية. إنها رسالة واضحة بأن جلالة الملك لا ينظر إلى الجيش كأداة قوة فحسب، بل كمؤسسة وطنية شريكة في صناعة المستقبل، وأن هذه الشراكة قائمة على الثقة، والكفاءة، والمسؤولية. وهي خطوة قد تمتد آثارها عميقاً في بنية الدولة الأردنية، وتؤسس لمرحلة يتعزز فيها دور الجيش في حماية الوطن، ومواكبة التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.