وجهات نظر

رفع الحصانة عن نائب حزبي

رفع الحصانة عن نائب حزبي


أفادت تقارير صحفية قبل أيام بقيام المجلس القضائي بمخاطبة رئيس الوزراء للسير بإجراءات رفع الحصانة النيابية عن أحد أعضاء مجلس النواب الحاليين، حيث سيقوم رئيس الوزراء بإرسال طلب الإذن باتخاذ الإجراءات الجزائية إلى رئيس مجلس النواب، مشفوعا بمذكرة خطية تشتمل على نوع الجرم ومكانه وزمانه والأدلة الداعمة للطلب، وذلك عملا بأحكام المادة (145) من النظام الداخلي لمجلس النواب.

وإذا كان هذا الإجراء اعتياديا سبق للعديد من المجالس النيابية السابقة أن تعاملت معه، وتباينت مواقفها الدستورية بين الإذن برفع الحصانة عن النائب من عدمه، فإن ما يميز هذه الواقعة أنها تعد الأولى من نوعها التي توجه إلى نائب حزبي ترشح للانتخابات النيابية الماضية عن حزب سياسي وحصل على مقعد في القائمة الوطنية العامة، الأمر الذي يستدعي الوقوف على خصوصية هذه الحالة وما إذا كانت ستأخذ منحى مغايرا بحكم الطبيعة الحزبية للنائب المعني.

وقد جرى تبرير طلب رفع الحصانة بأنه يتعلق بشكوى جزائية تقدم بها أحد المستثمرين ضد النائب الحزبي على خلفية اتهامات بارتكابه أفعالا تتصل بالقدح والذم والتحقير، وهي واقعة تعيد إلى الأذهان النقاشات التي رافقت عملية تشكيل القوائم الحزبية، والمعايير المتعلقة باختيار ممثلي الأحزاب السياسية في الانتخابات النيابية، وصولا إلى البرلمان.

وإذا كان الحزب المعني قد استبق الأحزاب السياسية الأردنية بقرار غير مسبوق بفصل أحد نوابه أعضاء المجلس الحالي بحجة مخالفته تعليمات الحزب ووجود دعاوى جزائية مقامة عليه، وما تزال القضية قيد النظر أمام القضاء الأردني، فإن النائب الثاني الممثل للحزب – وعلى ما يبدو – سيواجه إجراءات قضائية في دعوى جزائية لا يرتبط موضوعها بعمله الحزبي أو نشاطه السياسي.

إن رفع الحصانة عن نائب حزبي يمتاز عن غيره من النواب المستقلين بكونه لا يقرأ في إطار المسؤولية الفردية وحدها، بل يمتد أثره إلى الكيان السياسي الذي ينتمي إليه النائب المعني. فالأصل أن النائب الحزبي لا يتحرك في الفضاء العام بوصفه شخصا مستقلا، وإنما باعتباره جزءا من مشروع سياسي وبرنامجي جرى الإعلان عنه بشكل رسمي، وصوت له المواطنون في الانتخابات التشريعية، الأمر الذي يجعل أي مساءلة جزائية له ذات انعكاس مباشر على صورة الحزب أمام الرأي العام، خاصة وأن ذلك يأتي قبل انتصاف العمر الدستوري لمجلس النواب الحالي.

كما أن رفع الحصانة عن نائب حزبي يثير إشكالية إضافية تتعلق بفكرة التمثيل البرامجي داخل البرلمان؛ فالناخب في القوائم الحزبية يفترض أنه قد منح صوته للبرنامج السياسي أكثر من منحه للفرد. وعليه، فإن إخضاع النائب الحزبي لإجراءات جزائية قد يفسر، ولو سياسيا، على أنه مساس غير مباشر بإرادة الناخبين الذين اختاروا التوجه الحزبي، بخلاف النائب العادي الذي يقوم تمثيله غالبا على الاعتبارات الشخصية أو الإقليمية.

ويضاف إلى ذلك أن طلب رفع الحصانة عن نائب حزبي يضع الكتلة البرلمانية للحزب، أو أي ائتلاف نيابي متعاون معه، أمام اختبار دقيق بين مقتضيات التضامن الحزبي والالتزام الدستوري. فالحزب قد يجد نفسه أمام معضلة حقيقية تتمثل في كيفية توجيه أعضائه للتصويت على طلب رفع الحصانة عن أحد أعضائه، وهو ما قد يؤدي، إن أسيء التعامل معه، إلى تسييس إجراء دستوري يفترض أن يبقى محايدا ومستقلا عن الحسابات الحزبية.

إن رفع الحصانة عن نائب حزبي يعد اختبارا حقيقيا لعملية التوازن بين العمل الحزبي من جهة والتمثيل النيابي من جهة أخرى. فالتعامل مع هذا النوع من الطلبات يستوجب التأكيد على استقلال النائب في قراره داخل المجلس، حتى وإن كان منتميا إلى حزب سياسي، وذلك انسجاما مع المبدأ الدستوري القاضي بأن النائب يمثل الأمة ولا يخضع في ممارسته لمهامه لأي جهة.

إن المصلحة العليا للحزب أو الائتلاف السياسي، وحتى لباقي التجمعات السياسية في مجلس النواب، تقتضي إعمال الحكمة والعقل في التعاطي مع أي قضية قد تثور بحق أي من أعضاء المجلس وتتعلق بسلوكه العام وانضباطه السياسي، بحيث يكون التصويت على رفع الحصانة وإخضاع النائب المعني للإجراءات القضائية أقل ضررا من الإبقاء عليه، وما قد يترتب على ذلك من مساس مباشر بسمعة المجلس والثقة الشعبية به.

وما يعزز من وجاهة هذا القول، أن النائب الذي يتقرر رفع الحصانة عنه سيخضع لقاعدة دستورية أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي قطعي، وأنه سيبقى محتفظا بحقه في حضور جلسات المجلس واجتماعات اللجان، والمشاركة في المناقشة والتصويت، ما لم يصدر قرار بتوقيفه وفق أحكام القانون.

خلاصة القول، إن رفع الحصانة عن النائب الحزبي يجب أن لا يفهم بوصفه استهدافا للحياة الحزبية أو إضعافا للتجربة البرلمانية الناشئة، بل على العكس، يشكل فرصة حقيقية لترسيخ مبدأ خضوع الجميع لسيادة القانون. فالتجارب الديمقراطية المقارنة تثبت أن الأحزاب السياسية لا تضعف عندما يساءل أعضاؤها، وإنما تزداد قوة ومصداقية عندما تدار هذه القضايا بشفافية ومسؤولية، وبعيدا عن منطق الحماية أو المواقف السياسية غير المبررة.