وجهات نظر

قسد لا يموت فيها ولا يحيا

قسد لا يموت فيها ولا يحيا

حين زرعت الولايات المتحدة الأمريكية للأكراد السوريين منظمة عسكرية أسمتها "قوات سوريا الديمقراطية"، كانت تزرع نبتة بين عدة نباتات، بعضها أسسته أو ورثت تأسيسه وأمدته بأسباب البقاء وبعضها استفادت من وجوده كذريعة، والبعض الآخر حاربته حين جاءت ظروف مواتية فأطفأته.

"قسد" استجابت بالتلفون لتغير تموضعها، ويقال أن الأسد المعزول استعملت معه نفس الطريقة، فرحل بعد أن سلم جيشه دون قتال، ستبقى قسد في محافظاتها غرب الفرات وشرق الحسكة والرقة، حيث الأكراد السوريون وامتدادهم في دير الزور والبو كمال، وتدخل قسد إلى القوات السورية، ورغم أنها تنضوي شكلاً في العسكرية السورية الناشئة، وحيث تجرب الاتفاقيات مع الرئيس أحمد الشرع، فتصمد ثم تنهار وهي لعبة معروفة، ليس في سوريا فقط وإنما في ساحات عربية وغير عربية عديدة، كان للولايات المتحدة ادوار فيها، لذا فإن قسد في المواقع المذكورة لن تموت فيها ولا تحيا، بل ستبقى ورقة مثل الجوكر إلى حين انتهاء اللعبة .

ليس هذا فقط، فالملفت للانتباه وجود تنظيم كامل للدولة الاسلامية في منطقة قسد، حيث يزيد تعداد من هم في السجون التي كانت تحت إشراف قسد، وبالتالي في القبضة الأمريكية، عن سبعة آلاف سجين بين رجل وامرأة وطفل، وهؤلاء عبارة عن جيش كامل داخل السجون، كان يتنقل بسلاسة بين سوريا والعراق وكانت عناصره تنقل من ساحة لتعزز التنظيم في ساحة اخرىأ حين الحاجة، لقد عرفناهم ينتقلون إلى سيناء وقت الحرب على الجيش المصري في حرب إرهاب طويلة، وعرفناهم وصلوا ليبيا وقتلوا الأبرياء المصريين بالذبح على شاشات التلفزيون، وكانت تظهر أعلامهم ويجري ابتزاز الدول بهم. ولنا في الأردن سردية في محاربة الإرهاب وخاصة مع داعش، فقد ساهمت الأردن في القضاء على قائد التنظيم "الزرقاوي" في عملية ناجحة أجهضت مخططات عديدة، وها هي قسد تريد ترحيل من هم في السجون السورية إلى العراق، وهم من احتلوا الموصل ذات، وأن داعش (مدمية)، أي يدها ملطخة بالدم العراقي تحديدا، وهذا يسهل عملية قبول العراق لاستلامهم، ويسبق ذلك الرغبة الأمريكية التي تريد إبعادهم عن (مرابض) النفط والغاز السوري الذي ستعيده الإدارة الأميركية للاقتصاد السوري بعد أن نجحت حكومة الشرع في الاتفاق مع الإدارة الأميركية لدعم الاقتصاد السوري، بدءاً بإلغاء قانون قيصر الذي كان يمنع التجارة مع سوريا.

كانت الشروط الأمريكية لحكومة الشرع صعبة ويتوقف الحديث عنها لغياب المعلومات، فهل انتفت الآن ضروراتها وفقدت دورها ووظيفتها المباشرة حين رأت الولايات المتحدة الأمريكية أن مصالحها لتتحق مع النظام السوري الجديد، الذي يشكل قبولاً أوسع في شرائح ومجموعات الشعب السوري، وأنه يعيد الوهج لجماعات السنة التي دحرت في العراق وسوريا لأكثر من خمسين سنة ولا بد من العودة لإعطاء إحدى الساحتين بشروط مرضي عنها.

هناك تراكيب سياسية وأخرى عسكرية تخدم السياسة الأمريكية في سوريا، ولهذا فإن أي جهة ستبقى هي الجهة التي ستكون على يمين النظام السوري الجديد او تابعة له، رغم أن الإدارة الأمريكية ستقتلع العديد من التشكيلات، لكن ليس من جذورها وإنما بتقليم الاغصان والأوراق وتصغير الحجوم ونزع أي دسم منها.

هذا ما كان في السويداء وما سيكون مع الدروز الذين لم يسمح لنظام الأسد بتصفية قواتهم العسكرية أو الاثنية أو المذهبية، بل سمح لهم أن يعبروا عن أنفسهم بصدامات مع عرب الجبل ومع البدو السوريين وأن يذكّروا بأنفسهم وأن يجروا تمارين بذخيرة حية في رحلات مع الإسرائيليين الذين جاءوا من الجولان ليعطوا ربطاً شكلياً مع دروز السويداء، في رسالة وصل مضمونها للنظام السوري الذي لم يسمح له بصدام حاسم معهم أو أن يصفي الدروز في السويداء ولا أي تركيب عسكري أو سياسي على الأرض السورية حتى الآن، بما في ذلك معارضة الساحل العلوي التي سمح لها أن تجاهر بأنه ارتكبت بحق العلوين مجازر، رغم المسؤولية المباشرة لكثير من ضباطهم عن التعذيب وعن السجون السورية.

(الدمامل) كثيرة في الجسم السوري، وهي برسم الاجتثاث، وتبقى هذه الدمامل تعطل حركة الجسم السوري أو أن تبعث بسوريا جديدة يحلم بها السوريون رغم كثرة التصريحات عن الوجع السوري، برسم أن يشفى بعضه ويبقى بعضه الآخر، فما زالت هناك قضايا عديدة تستحق من وجهة نظر أمريكية أن تبقى بهدف ابتزاز سوريا، فما زال الجولان في قبضة الاحتلال الاسرائيلي، وما زال جبل الشيخ وقد احتلته إسرائيل بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، وما زالت مساحة ضعف الجولان وقد توسعت فيها إسرائيل وما زال اتفاق فك الاشتباك المبرم عام 1974، معطلا من جانب اسرائيل، كل تلك المشاكل لم تحسم بعد، وهذا ما سمح للمبعوث الأمريكي توماس باراك أن يتحدث عن سلبيات اتفاقية سايكس بيكو، وأن لا قداسة للدولة الوطنية أو ترابها الوطني إذا ما أحست الولايات المتحدة ضرورة الضم، كما في صفقة القرن وكما عملت ضد الجولان، وأيضاً بقولها إن مساحة إسرائيل صغيرة لتبقى هذه الجملة معترضة أو قابلة للإعراب إذا ما جاء وقت إنفاذها.