وجهات نظر

تطوير .. الذات مقاومة ووسيلة للبقاء

تطوير ..  الذات مقاومة ووسيلة للبقاء

كثيرون يظنون أن تطوير الذات خيار ترفي أو مشروع رفاه شخصي، لكن الحقيقة أن بعض الناس لا يملكون هذا الترف. بالنسبة لهم، التطوير ليس طموحًا إضافيًا، بل وسيلة للبقاء.

في عالمٍ تُوزَّع فيه الفرص، يصبح الوقوف ذاته فعلًا غير بريء. أن تنهض وأنت مهمَّش، أن تطوّر الذات، فذلك لا يدخل في خانة الطموح الفردي وحده، بل يلامس جوهر المقاومة الصامتة.

ليس الجميع يبدأ من النقطة نفسها، ومع ذلك يُطالَب الجميع بالنتائج ذاتها، وكأن الفوارق غير موجودة.

لسنا متساوين عند خط البداية، لكننا نُطالَب غالبًا بأن نركض بالسرعة ذاتها، وبالأحلام نفسها، وبالنتائج نفسها. في هذا العالم، لا يكون تطوير الذات دائمًا خيارًا حرًّا، بل أحيانًا ضرورة وجودية، خصوصًا لمن وُضعوا على الهامش.

كثير من خطابات تطوير الذات تتجاهل الواقع، وتضع عبء التغيير كاملًا على الفرد، كأن الظروف المحيطة به لا وجود لها.

أنا لا أكتب هنا عن تطوير الذات كوصفة جاهزة للنجاح، ولا عن خطابات التحفيز التي تُحمِّل الفرد وحده مسؤولية نجاته، متجاهلة السياق الذي يضغط عليه. أكتب عن تطوير الذات كفعل مقاومة هادئة، طويلة النفس، تبدأ من الداخل، لكنها لا تنفصل أبدًا عن شروط الخارج.

أن تعيد بناء نفسك، أن تنمو في مناخ لا يتوقع منك النمو، أن تُصرّ على إنسانيتك الكاملة في عالم لا يعترف بها! فذلك ليس رفاهية، بل موقف أخلاقي. تطوير الذات، كما أراه وكما أعيشه، ليس مشروع تحسين شخصي بقدر ما هو إعادة امتلاك للإنسان من داخل شروط قاسية. هو محاولة عنيدة للقول لن أكون النتيجة التي خُطِّط لها.

التهميش ليس شعورًا عابرًا أو حالة ذهنية، بل هو بنية متكاملة تعمل بصمت عبر قنوات التعليم والاقتصاد والثقافة والصورة النمطية واللغة اليومية.

في مجتمعاتنا، تظهر هذه الفجوة بوضوح، خاصة حين يتعلق الأمر بالنساء والفتيات.

في عالمنا العربي، تكشف البيانات أن النساء يشكّلن أكثر من 60% من خريجي الجامعات في بعض الدول، لكن مشاركتهن الاقتصادية لا تتجاوز الربع، ويقمن بأكثر من ثلاثة أرباع العمل المنزلي غير المدفوع، بينما تتراجع فرص الفتيات الريفيات في إكمال التعليم الثانوي بنسب كبيرة. هذه ليست أرقامًا مجردة، بل تعبير عن سياق ضاغط يصوغ الحياة قبل أن نعيشها. ومن هنا، يصبح تطوير الذات محاولة واعية لكسر الحلقة، لا إنكار وجودها.

إن تطوير الذات يصبح فعل مقاومة لأن التهميش لا يسلبك الفرص فقط، بل يسلبك الإيمان بنفسك. يقنعك تدريجيًا أنك أقل، أنك لا تستحق، وأن أحلامك في غير محلها. تشير دراسات علم النفس الاجتماعي إلى أن الأفراد المنتمين لفئة يعانون من متلازمة الدونية الاجتماعية بنسبة أعلى، نتيجة الرسائل السلبية المتراكمة.

الوعي لا يغيّر الواقع فورًا، لكنه يغيّر طريقة حملك له.

وفي صلب هذه المقاومة يأتي الوعي، ليس كترف فكري، بل كخطوة إنقاذ. أن تفهم أن ما تعانيه ليس خللًا فيك، بل نتيجة منظومة. تشير أبحاث علم الاجتماع إلى أن الانتقال من تفسير شخصي للفشل إلى تفسير بنيوي يقلل من معدلات الاكتئاب والانسحاب الاجتماعي بشكل ملحوظ.

حين يتوقف الإنسان عن جلد نفسه، يبدأ لأول مرة ببناء نفسه بصدق.

الوعي لا يعني تعليق كل شيء على شماعة الظروف، بل يعني أن تكفّ عن جلد نفسك، أن تفصل بين قيمتك الإنسانية والنتائج المفروضة عليك، وأن تبدأ رحلتك دون وهم أو قسوة داخلية. ومن هذا الوعي تنبثق الآليات العملية للمقاومة.

بعد إدراك الجدار، يبدأ البحث عن الشقوق الصغيرة التي يمكن العبور منها.

في سياقات التهميش، تظل المعرفة دائمًا الباب الأوسع أملًا. التعليم الذاتي، عبر القراءة النقدية أو الموارد المتاحة، يصبح استراتيجية تحرر تتيح بناء فهم خاص للعالم خارج المناهج الرسمية التي قد تغيب قصتك.

حتى الموارد المحدودة يمكن أن تتحول إلى أدوات قوة حين تُستخدم بوعي.

في تجربتنا العربية، نرى نماذج حية تخلق طريقها وسط الصخور نساء يتعلمن من خلال الانترنت في مجتمعات تحدّ من خروجهن، شباب من القرى يبنون مساراتهم عبر التعلم الذاتي، مفكرون يخرجون من الهامش بفضل القراءة لا الامتياز.

لم يكن الوعي عند كثير من النساء خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية.

العناية بالذات، في بيئات قاسية، ليست انسحابًا، بل استعدادًا للاستمرار.

بالنسبة للمرأة،قد يكون النجاح أن تمتلك صوتها، أن تضع حدودها، أن تختار نفسها دون شعور بالذنب. العناية بالصحة النفسية، والنوم، وطلب الدعم، كلها أدوات صمود في عالم يطلب منك الاستنزاف الدائم.

لكن المقاومة لا تكتمل حين تبقى فردية فقط.

الخطر الأكبر أن يتحول النجاح الشخصي إلى حالة انعزالية. المقاومة الحقيقية تكمن في الارتقاء ورفع الآخرين معك. مشاركة المعرفة، وخلق مساحات آمنة للتعلّم، يحوّل النجاح من استثناء فردي إلى مسار جماعي.

حين تُروى القصص معًا، يتحول الألم إلى وعي، والوعي إلى قوة. مشاركة التجارب الإخفاق والفشل والنجاح ووسائل النجاح وطرقها إعادة السرد فعل مقاومة بحد ذاته. حين نكتب أنفسنا معًا، نعيد ترتيب الألم، ونحوّله إلى معنى، والمعنى إلى قوة مشتركة. أخطر أشكال التهميش أن تُروى قصتك دونك.

في مجتمع تعود على إقصاء الاخرين بل وإقصاء الذات، يصبح تطوير الذات موقفًا أخلاقيًا قبل أن يكون مشروعًا فرديًا.