وجهات نظر

الكلف الإنسانية للصراعات الإقليمية

الكلف الإنسانية للصراعات الإقليمية


تحولت الصراعات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة من نزاعات محدودة الأثر إلى أزمات مفتوحة تعيد رسم الجغرافيا السياسية وتعيد معها طرح أسئلة عميقة حول معنى النظام الدولي وحدود مسؤوليته الأخلاقية، ذلك أن ما يجري في غزة، وأوكرانيا، والسودان، والبحر الأحمر، وساحات أخرى متشابكة المصالح، يكشف عالماً يدار بمنطق القوة أكثر مما يحتكم للقانون، ويتفاعل في إطار موازين القوة أكثر مما تضبطه القواعد، وتعالج فيه الأزمات بردود فعل متأخرة أو بالاحتواء المؤقت بدل المقاربات الوقائية أو منهج الحل العادل والدائم.
القاسم المشترك بين هذه الصراعات، على اختلاف سياقاتها، غياب الأفق السياسي الحقيقي والحلول السياسية الجدية، وتغليب الحسابات الجيوسياسية على قيمة الحياة البشرية، فالدول الكبرى والقوى الفاعلة تتعامل مع هذه الأقاليم بوصفها مساحة نفوذ وتجريب وتبادل رسائل استراتيجية، بينما تتحول المجتمعات المحلية إلى وقود لصراعات تتجاوز قدرتها على التأثير فيها أو أنهائها، حيث يتراجع الإنسان إلى الهامش ليصبح رقماً في نشرات الأخبار، واللاجئ عبئاً إحصائياً، والدمار تفصيلا صغيراً في خطابات المصالح.

في الشرق الأوسط، تبدو الحروب وكأنها حالة دائمة، تتغير عناوينها وتتبدل مسمياتها وتبقى نتائجها واحدة، دول منهكة، مجتمعات مفككة، وأجيال تنشأ وتنمو في ظل دوامة العنف المتجددة وانسداد الأفق وفقدان اليقين، ففي فلسطين تتجلى الكلفة الإنسانية في صورتها الأشد قسوة، حيث يفضح العدوان المستمر عجز المنظومة الدولية عن حماية شعب أعزل وتتكشف قابلية القانون الدولي للتعطيل حين يتعارض مع إرادة القوة، وفي الوقت نفسه تتوارى في السودان كارثة ومأساة إنسانية هائلة خلف صمت دولي ثقيل، في مشهد يعكس تفاوتا فاضحا في سلم الاهتمام العالمي وكأن الأرواح هناك أقل استحقاقاً للاهتمام الإعلامي والسياسي العالمي.

أما في أوكرانيا، فتبرز الصراعات الإقليمية بصيغة حروب بالوكالة، حيث تتداخل فيها الرسائل الاستراتيجية مع سباق الاستنزاف، ويستخدم فيها الاقتصاد والطاقة والغذاء أدوات ضغط موازية للسلاح، وعلى الرغم من أن هذه الحرب أعادت تعريف مفهوم الأمن الأوروبي، إلا أنها في الوقت ذاته أظهرت كيف يمكن للأزمات أن تدار وفق معايير انتقائية، حيث يستدعى التضامن بقوة في حالة، ويغيب في حالات أخرى مشابهة في المأساة والدمار.

الكلفة الإنسانية لهذه الصراعات تبقى العنوان الأكثر صدقا والحقيقة الأكثر إيلاماً في كل هذه الصراعات، خاصة وأنها تترك ملايين القتلى والجرحى، وموجات نزوح جماعي، وانهيارا لأنظمة صحية وتعليمية، وتآكلا للثقة بأي حديث عن العدالة الدولية، ذلك أن الأطفال الذين يكبرون تحت القصف، والنساء اللواتي يحملن عبء البقاء، والشباب الذين يفقدون الحاضر قبل المستقبل، جميعهم يدفعون ثمن نظام عالمي يتقن إدارة الأزمات أكثر مما يجيد أو يمتلك شجاعة إنهائها.

الفشل الدولي هنا لا يعود إلى نقص في الأدوات، بل إلى غياب الإرادة السياسية الأخلاقية، خاصة في ظل تحويل مجلس الأمن إلى ساحة تعطيل متبادل، وتكبيل المؤسسات الدولية بتوازنات القوة، واختزال الدبلوماسية في بيانات قلق لا تردع معتدياً ولا تنقذ ضحية، هذا الواقع يطرح سؤالا جوهريا هو: ما قيمة النظام الدولي إذا عجز عن حماية الإنسان في أكثر لحظات ضعفه؟

الصراعات الإقليمية اليوم تضع الضمير العالمي أمام اختبار حاسم، فإما أن يستعيد العالم معنى العدالة بوصفها قيمة إنسانية كونية شاملة غير قابلة للتجزئة، أو الاستمرار في إنتاج أزمات أعمق تمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد من ساحات القتال وخارج حدود الأقاليم المنكوبة، فالحرائق التي تترك دون إطفاء اليوم، ستتسع آثارها غدا لتطال الجميع.

في المحصلة، تبقى التساؤلات المعلقة، ومن أهمها: أما آن للمجتمع الدولي أن يغادر مربع إدارة هذه الصراعات إلى أفق حلها، وأن يعيد الاعتبار للإنسان كغاية للسياسة لا كخسارة جانبية؟ وأما آن للجميع أن يدرك أن الصمت الطويل يتحول مع الوقت إلى شراكة ضمنية في المأساة، وكذلك بأن التاريخ يسجل المواقف ولا يرحم من امتلك القدرة على الفعل واختار التفرج.