وجهات نظر

لماذا يثق "الأوروبيون" بالأردن؟

لماذا يثق "الأوروبيون" بالأردن؟


في عالم الاقتصاد، لا تمنح الثقة مجانا، ولا تبنى الشراكات الكبرى على المجاملات، هذه القاعدة تعكسها بوضوح قمة الأردن والاتحاد الأوروبي في عمان، فهي نتيجة "مسار طويل" من الاستقرار الاقتصادي، والانضباط المالي، والقدرة على إدارة التحديات، لا مجرد محطة بروتوكولية في علاقة تقليدية، فما أهمية هذه القمة؟.
اللافت في هذه القمة أنها تأتي بعد توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية والشاملة، أي أنها لا تناقش نوايا أو وعودا، بل تنتقل مباشرة لمرحلة التنفيذ، كالتمويل والاستثمار والدعم المالي الكلي، وتوسيع قنوات التجارة، ما يجعل هذا التحول ينتقل من "الدعم" للشراكة الاقتصادية، الامر الذي يؤكد تغيرا في نظرة الاتحاد الأوروبي إلى الأردن، من دولة بحاجة للمساندة إلى اقتصاد يمكن البناء عليه.

اقتصاديا، يدرك الأوروبيون أن الأردن يدير واحدة من أكثر المعادلات تعقيدا بالمنطقة، في ضوء نمو محدود، وموارد طبيعية شحيحة وأعباء لجوء ممتدة، ومع ذلك حافظ على استقرار نقدي ومالي جعله شريكا آمنا لرأس المال الأوروبي، ولهذا، فإن الحزمة الاقتصادية المتفق عليها ليست استجابة ظرفية، بل هي استثمار "طويل الأمد" في نموذج اقتصادي أثبت قدرته على تجنب الصدمات الكبرى.

القمة تضع على الطاولة ملفات التجارة والصناعة بشكل عملي، كما تبسيط قواعد المنشأ، وتوسيع وصول الصادرات الأردنية إلى السوق الأوروبية، لتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية وخلق فرص عمل، وتحفيز سلاسل إنتاج قادرة على الاندماج في السوق الأوروبية ذات المعايير العالية، وفي المقابل، تمثل أوروبا شريكا تكنولوجيا وصناعيا يوفر للأردن ما يتجاوز الاستيراد إلى نقل الخبرة والمعرفة.

أما الاستثمارات الأوروبية، فهي الرسالة الأوضح في هذه القمة، فتوجيه مليارات اليوروهات نحو الاقتصاد الأردني يعني أن المخاطر محسوبة، وأن "البيئة الاستثمارية" الأردنية، ورغم التحديات، ما زالت قادرة على استقطاب رأس المال طويل الأجل، خاصة في قطاعات حيوية كالمياه والطاقة والتكنولوجيا وريادة الأعمال.

الدول الأوروبية، تدرك أن الأردن يتحمل كلفة اقتصادية مضاعفة لدوره الإنساني في استضافة اللاجئين، وفي جهوده الإغاثية المستمرة تجاه غزة، وهذه الكلفة لا تقاس فقط بالأرقام، بل بضغطها على البنية التحتية وسوق العمل والخدمات، ومن هنا، تبدو الشراكة الاقتصادية مع أوروبا اعترافا غير مباشر بأن الأردن يدفع فاتورة الاستقرار نيابة عن الإقليم.

خلاصة القول، هذه القمة، من منظور اقتصادي، ليست احتفالا بالعلاقات، بل إعلان عن مرحلة جديدة تدار فيها الشراكة بلغة الأسواق لا البيانات، و"بمنطق الاستثمار"في الثقة لا في الطوارئ، والقاعدة تقول أن الثقة في اقتصاد مضطرب عالميا، تبقى هي العملة الأندر والأغلى، التي تبنى عليها الشركات الدولية، وهذا ما نجح فيه الأردن في كل المجالات.