وجهات نظر

الأردن .. حين يصبح البقاء موقفًا

الأردن ..  حين يصبح البقاء موقفًا

في إقليمٍ تتسارع فيه الانهيارات وتتشابك الأزمات، يقف الأردن بوصفه حالة مختلفة؛ لا لأنه بعيد عن الخطر، بل لأنه تعلّم كيف يعيش في قلبه دون أن يفقد بوصلته. وهنا، لم تكن الدولة يومًا مشروع ردّة فعل، وإنما مشروع وعي طويل النفس، يعرف أن البقاء في هذه الجغرافيا ليس ترفًا، بل مسؤولية تاريخية.

في هذا الاطار كتب بيتر جرمانوس على منصة X توصيفًا مكثفًا لهذا المعنى حين قال:“نفّذت القوات المسلحة الأردنية غارات قرب السويداء. الأردن دولة صغيرة في غرب آسيا، لكنها تتعامل مع السيادة بجدّية كاملة. المملكة الاردنية الهاشمية التي قيل يومًا إنها ستختفي، بقيت واقفة، تراقب دول المشرق لبنان وسورية وبلاد الرافدين تتفتّت ينخرها اليسار الغوغائي المدمّر والانقسام الديني.” ولذلك، لا يُقرأ هذا الاقتباس بوصفه تعليقًا سياسيًا عابرًا، بل شهادة على مسار دولة فهمت معنى السيادة وحمتها بالفعل. فالأردن، رغم محدودية الجغرافيا وشحّ الموارد، أثبت أنه دولة عصيّة على الإرهاب، وعلى محاولات الاختراق، وعلى شبكات الجريمة وتجارة المخدرات، بفضل مؤسسات راسخة، وجيش محترف، وأجهزة أمنية تعمل بصمت وكفاءة واحتراف.

ومع اندلاع حرب غزة، وجد الأردن نفسه في عين العاصفة. ولم يكن ذلك خيارًا، بل قدر موقعه وتاريخه ودوره الأخلاقي. ومنذ اللحظة الأولى، كان الموقف الأردني واضحًا، وكان الملك عبدالله الثاني في طليعة القادة الذين حملوا القضية الفلسطينية إلى العالم، متنقلًا بين العواصم، متحدثًا بلغة القانون الدولي والضمير الإنساني. وجعل من غزة والضفة الغربية عنوانًا دائمًا في خطاباته، ووقف بحزم ضد تهجير الفلسطينيين، وقد أدرك أن هذا الخطر لا يهدد فلسطين وحدها، بل يهدد استقرار المنطقة والأردن في قلبها.

في هذه اللحظة التاريخية، تتجلى حقيقة يعرفها الأردنيون جيدًا: أن الملك عبدالله الثاني هو رأس المال السياسي للدولة؛ إذ بحكمته وحنكته وقدرته على إدارة الأزمات، استطاع أن يحافظ على استقرار الأردن، وأن يبني شبكة علاقات دولية متينة جعلت من المملكة شريكًا موثوقًا إقليميًا ودوليًا، دون أن تتخلى عن ثوابتها أو استقلال قرارها. وقد تجلّى ذلك في الجسر الجوي الإنساني إلى غزة، وفي جولاته العالمية، وفي دفاعه الصريح عن القدس والوصاية الهاشمية وعدالة القضايا العربية.

ويأتي في صدارة المسؤولين الذين أكملوا مسار القيادة الوطنية بعطاء وجدّ وإخلاص، دولة رئيس الوزراء جعفر حسان، حيث عرف بجدّه في العمل، وحرصه على متابعة الملفات الوطنية بعمق، وإخلاصه في خدمة الاستقرار والتنمية، مع احترامه لمؤسسات الدولة والتوازنات السياسية والاجتماعية. وجوده ضمن فريق القيادة يعزز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بنفس الوعي والتوازن الذي تتطلبه المرحلة.

وبالتوازي مع هذا الدور القيادي، حافظ الأردن على صرامته في حماية أمنه الوطني. فالتعامل مع الإرهاب، ومحاولات التهريب، والتهديدات العابرة للحدود، كان وما يزال قائمًا على مبدأ لا يقبل المساومة: السيادة خط أحمر. هذه الصرامة الهادئة جعلت الأردن دولة صعبة الكسر، رغم كل الضغوط.

ومع وقف إطلاق النار في غزة، لا يجوز أن تُمحى الدروس أو تُنسى العِبر. فما جرى هناك كشف هشاشة الإقليم، وسرعة الانزلاق إلى الفوضى، وخطورة المعركة على الوعي قبل الأرض. هذه الدروس يجب أن تبقى حاضرة في الأذهان، لأن ما بعد الحرب لا يقل خطورة عمّا قبلها. فالإشاعات، والمعلومات المضللة، ومحاولات التشكيك، أدوات هدم صامتة تستهدف الداخل حين تعجز عن اختراق الحدود.

هنا يصبح وعي الأردنيين أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالاستقرار والأمن ليسا أمرين مُسلّمًا بهما، بل إنجازان يحتاجان إلى حماية يومية. الحفاظ على الأردن يبدأ بعدم الانجرار خلف الأكاذيب، والتمييز بين النقد المسؤول والتشكيك الهدّام، وبالثقة بالدولة ومؤسساتها، وبإدراك أن الفوضى لا تأتي فجأة، بل تتسلل حين يضعف الوعي. كما أن نجاح المشروع الأردني طويل الأمد يتطلب اندماج جميع القوى الوطنية، بما فيها الإسلامية، مع مشروع الدولة الأردنية قولًا وفعلاً وعملاً، حتى لا يبقى الأردن عرضة للمواقف الدولية؛ خاصةً الأمريكية، في أي مرحلة حرجة.

لقد اختار الأردن منذ نشأته نهج الاعتدال والصدق في تعامله مع شعبه ومع العالم. لم يبع أوهام القوة، ولم يدخل مغامرات خاسرة، ولم يزاود على القضايا. قال ما يستطيع فعله، وفعل ما قاله. وهذا النهج، رغم كلفته أحيانًا، هو سرّ بقائه واستمراره.

هكذا بقي الأردن واقفًا؛ لا لأنه بعيد عن العاصفة، بل لأنه يمتلك ذاكرة دولة، وحكمة قيادة، ووعي شعب يعرف أن الاستقرار الذي يعيش فيه هو أثمن ما يملك، وأجدر ما يُصان ويُدافع عنه.