وجهات نظر

كيف يمكن جعل الأردن منصة إقليمية جاذبة للأعمال الأمريكية لا مجرد سوق استهلاكي

كيف يمكن جعل الأردن منصة إقليمية جاذبة للأعمال الأمريكية لا مجرد سوق استهلاكي


في ظل التحولات العميقة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، واتجاه الشركات الأمريكية إلى إعادة توزيع أنشطتها الإنتاجية والخدمية خارج أسواقها التقليدية، تبرز أمام الأردن فرصة استراتيجية لإعادة توجيه مساره الاقتصادي، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع ملموس يتطلب انتقالًا مدروسًا من نموذج الاقتصاد الاستهلاكي إلى نموذج يقوم على الإنتاج، والتصدير، وتقديم الخدمات ذات القيمة المضافة، بما يعزز موقع الأردن في منظومة الاقتصاد العالمي.

وتُظهر التجارب الدولية أن الدول التي نجحت في بناء علاقات اقتصادية متقدمة مع الولايات المتحدة لم تعتمد على حجم أسواقها المحلية، بل على قدرتها على تقديم نفسها كمنصات تشغيل إقليمية، فقد استطاعت دول مثل سنغافورة أن تصبح مركزًا إقليميًا رئيسيًا للشركات الأمريكية في آسيا، رغم صغر سوقها، من خلال وضوح دورها في سلاسل القيمة العالمية، واستقرار بيئتها التنظيمية، وبنيتها التحتية المتقدمة، كما تحولت المكسيك إلى قاعدة تصنيع وتصدير رئيسية للسوق الأمريكي عبر ربط اتفاقيات التجارة الحرة بالتصنيع الفعلي، لا بالاستهلاك، في حين استخدمت بولندا رأس مالها البشري لتكون مركزًا للخدمات والتكنولوجيا الأمريكية في أوروبا الشرقية، وقدّمت إيرلندا نموذجًا ناجحًا في الاستقرار التشريعي والسياسات الاستثمارية الواضحة، ما جعلها مقرًا أوروبيًا لكبرى الشركات الأمريكية، ويشير هذا كله إلى أن النجاح لم يكن نتاج حجم السوق، بل بوضوح الدور والقدرة على الاندماج في المنظومة الاقتصادية الأمريكية.

انطلاقًا من هذه الدروس، تبرز ضرورة إعادة تعريف الدور الذي يمكن أن يلعبه الأردن واقعيًا، فالأردن ليس بديلًا عن دول التصنيع الثقيل واسع النطاق، ولا ينبغي أن يُقدَّم كذلك، لكنه مؤهل بدرجة عالية لأدوار أكثر ذكاءً واتساقًا مع خصائصه الاقتصادية، ويتمثل ذلك في التحول إلى مركز إقليمي للخدمات المتقدمة في مجالات تكنولوجيا المعلومات، والصحة، والتعليم، والهندسة، إضافة إلى بناء قاعدة للتصنيع الذكي المتوسط في قطاعات مثل الصناعات الدوائية، والمعدات الطبية، والصناعات الغذائية المتخصصة، كما يمتلك الأردن فرصة حقيقية ليكون منصة انطلاق للشركات الأمريكية نحو أسواق الجوار، ولا سيما دول الخليج، والعراق، وشرق أفريقيا، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وشبكة اتفاقياته التجارية، وفي هذا السياق يتطلب التحول الحقيقي في العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة تغييرًا في منطق الطرح ذاته، فبدلًا من التركيز على سؤال “كم نصدر إلى الولايات المتحدة؟”، ينبغي أن يتحول التفكير إلى سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا: كيف يمكن مساعدة الشركات الأمريكية على العمل من الأردن؟ ويتحقق ذلك من خلال ربط الاستثمارات الأمريكية بالتصدير الإقليمي لا بالاستهلاك المحلي فقط، وتصميم حوافز استثمارية قائمة على حجم الإنتاج والتوظيف والقيمة المضافة، لا على عدد الرخص أو الشركات المسجّلة، إلى جانب إنشاء فرق حكومية متخصصة تُعنى حصريًا بمتابعة الاستثمارات الأمريكية الكبرى وحل التحديات التي تواجهها بسرعة وكفاءة.

غير أن أي جاذبية استثمارية لا تكتمل دون بيئة تنظيمية مستقرة وتنافسية، فالشركات الأمريكية تولي أهمية قصوى للوضوح التشريعي واستقرار السياسات الضريبية، إذ إن المستثمر لا يخشى مستوى الضريبة بقدر ما يخشى عدم القدرة على التنبؤ، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تقليص البيروقراطية، وتوحيد المرجعيات الاستثمارية ضمن نافذة واحدة حقيقية، والالتزام باستقرار تشريعي يمتد لسنوات واضحة ومعلنة، كما تُعد حماية الملكية الفكرية عنصرًا حاسمًا في جذب الاستثمارات ذات الطابع التقني والمعرفي، التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الحديث، وفي السياق ذاته ، تلعب البنية التحتية واللوجستيات دورًا محوريًا في ترسيخ موقع الأردن كمنصة إقليمية للأعمال، فتعزيز كفاءة ميناء العقبة، وربط المناطق الصناعية بشبكات نقل حديثة، واعتماد أنظمة التخليص الجمركي الرقمي، من شأنه خفض كلفة الأعمال وتسريع حركة التصدير، وهو عامل حاسم في قرارات الشركات متعددة الجنسيات عند اختيار مواقع الاستثمار،

ويظل رأس المال البشري الأردني أحد أهم عناصر التنافسية، شريطة توجيهه بفعالية نحو احتياجات السوق، فالانتقال من التعليم النظري إلى التدريب التطبيقي، وبناء برامج مشتركة مع الشركات الأمريكية، ومواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات القطاعات الإنتاجية، يحوّل القوى العاملة من عنصر تكلفة إلى عنصر جذب استثماري، كما أثبتت تجارب الدول التي جعلت من الكفاءات البشرية أساسًا لدورها الإقليمي، كما يتطلب هذا التحول توجيه الجهود نحو القطاعات التي تمثّل أولوية حقيقية للشركات الأمريكية، مثل الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والزراعة الذكية، فالاستثمار في هذه القطاعات لا يعزز فقط القدرة التنافسية للأردن، بل تُعزّز موقعه بعمق داخل سلاسل القيمة العالمية بوصفه شريكًا إنتاجيًا فاعلًا، لا مجرد مستهلك.

وفي المحصلة، فإن جعل الأردن منصة إقليمية جاذبة للأعمال الأمريكية يستلزم شراكة حقيقية وفاعلة بين القطاعين العام والخاص، تقوم على المتابعة المستمرة، وسرعة اتخاذ القرار، وقياس النجاح بمؤشرات نوعية مثل حجم الصادرات، وفرص التشغيل، ومستوى القيمة المضافة، فالدول التي نجحت مع الولايات المتحدة لم تنتظر المستثمر ليكتشفها، بل صمّمت دورها بوضوح، وقدّمت نفسها كجزء من الحل الاقتصادي الأمريكي، وتحدثت بلغة القيمة لا المجاملة، والأردن قادر على ذلك لكن بشرط واحد هو الانتقال من عقلية “نريد استثمارًا” إلى عقلية “نقدّم منصة جاهزة للعمل”، وعندها فقط ينتقل من دور السوق الاستهلاكي إلى موقع الشريك الاقتصادي القادر على خلق القيمة وتحقيق الازدهار المستدام.