هل قرار تجميد المجلس الصحي العالي صائب أم خاطئ؟
في خضم جهود إصلاح القطاع الصحي الأردني، وفي وقت تسعى فيه خطة التحديث الاقتصادي الى إعادة هيكلة القطاع الصحي يبرز قرار معالي وزير الصحة السابق بتجميد المجلس الصحي العالي كخطوة كانت وما زالت مثيرة للجدل، اذ يطرح هذا القرار سؤالاً جوهرياً: هل هو خطوة تكتيكية نحو إعادة هيكلة حقيقية وإصلاح أعمق، أم مخاطرة مؤسسية تعمق أزمة التشتت القائمة التي يعاني منها النظام الصحي في الاردن وإضعاف لمؤسسة من المفترض أن تكون حجر الزاوية في توحيد هذا القطاع شديد التشتت والتشرذم؟
يعاني النظام الصحي في الأردن من تشتت تاريخي واضح، حيث تتداخل صلاحيات وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والتأمين الصحي المدني مع التأمين الصحي العسكري والقطاع الخاص، مما يؤدي إلى تضارب في المعايير وازدواجية في الجهود والخدمات المقدمة للمرضى. كما يتسم التمويل بالتفتت، مما يضعف القدرة على الشراء الاستراتيجي ويرفع التكاليف، اذ تشير البيانات إلى أن الإنفاق الصحي في الأردن يبلغ حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا إنفاق عالٍ يقترب من إنفاق دول الاتحاد الاوروبي إلا أن كفاءة هذا الإنفاق تبقى موضع تساؤل كبير بسبب تعدد القنوات وتداخل المسؤوليات. في هذا المشهد المعقد، كان من المفترض أن يكون المجلس الصحي العالي المظلة التنسيقية والتنظيمية العليا التي توحد الجهود وتضع حداً للفوضى المؤسسية، لكن أداءه ظل محدوداً منذ تأسيسه.
الحكم على قرار التجميد لا يمكن أن يكون مطلقاً، بل قد يكون قرار "صواب مشروط" أو "خطأ استراتيجي" بناءً على السياق والرؤية المصاحبة له. يكون القرار صائباً إذا تحققت فيه ثلاثة شروط أساسية: أولاً، أن يكون جزءاً من خطة إعادة هيكلة شاملة وليس إجراءً انفرادياً. ثانياً، أن يكون هناك بديل وظيفي واضح، إما بنقل المهام مؤقتاً إلى هيئات/ جهات قادرة على التنفيذ، أو كخطوة تمهيدية لتشكيل مجلس جديد أكثر قوة واستقلالية. ثالثاً، وضوح الجدول الزمني للإجراء لإنهاء حالة الغموض المؤسسي. أي تأخير في هذه المرحلة الانتقالية قد يزيد من حدة التحديات القائمة نظرا لغياب الاستراتيجيات الوطنية وتشتت الجهود، مثل ارتفاع عبء الأمراض المزمنة (التي تشكل حوالي 70% من أسباب الوفيات حسب تقارير وزارة الصحة) وتحديات التغطية الصحية الشاملة.
في المقابل، سيكون القرار خطأ فادحاً إذا أدى إلى فراغ تنسيقي يشل قدرة النظام على التكامل في وقت حاسم، أو إلى فقدان هيئة استشارية عليا مستقلة قادرة على تقديم الرأي الفني / المشورة القائمة على الأدلة، أو إلى إعاقة التنظيم وتأخير إصدار التشريعات الضرورية لضبط الجودة وحماية المرضى، خاصة مع التوسع المتوقع والتسلط للقطاع الخاص.
تظهر التجارب السابقة أن غياب تنسيق مركزي قوي في القطاع الصحي يؤدي إلى تفاوت كبير في جودة الخدمات بين المناطق (بنسبة قد تصل إلى 40% حسب بعض الدراسات المحلية)، وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية، وإهدار للموارد البشرية والمادية النادرة.
الدور المنشود للمجلس الصحي العالي المُعاد بناؤه ( في حال تم ذلك) يجب أن يكون استراتيجياً وفاعلاً، عليه أن يتحول من هيئة استشارية إلى جهاز تنسيقي تنفيذي مستقل. يجب أن يضطلع بوضع استراتيجية صحية وطنية موحدة وأن يتولى مهمة تنسيق السياسات بين جميع مكونات النظام الصحي والجهات ذات العلاقة، كما يجب أن يضع معايير وطنية لترخيص المنشآت والكوادر ويراقب الجودة والأسعار. ومن الأدوار المحورية التخطيط المركزي للقوى البشرية الصحية لمواجهة نزيف الهجرة (إذ يهاجر سنوياً ما يقارب 300 طبيب وممرض أردني مؤهل)، وأن يتولى مهمة إنشاء منظومة وطنية للرصد والتقييم تقود القرارات المستندة على الادلة والبيانات، وتعزيز الشفافية والمحاسبية.
تقدم التجارب الإقليمية دروساً قيمة يمكن الاستفادة منها ، وبعضها كان يطمح في يوم ما التوأمة مع المجلس الصحي العالي الاردني. ففي البحرين، يلعب المجلس الأعلى للصحة دوراً قوياً بصلاحيات تخطيطية ومالية واسعة واستقلال مرتبط بأعلى مستوى.
أما السعودية، فقد فصلت الوظائف عبر هيئات مستقلة مثل "المركز الوطني للرعاية الصحية". وفي الإمارات، نجح نموذج يجمع بين اللامركزية على مستوى الإمارات والتنسيق المركزي على المستوى الاتحادي. هذه النماذج تشير إلى اتجاه إقليمي نحو تعزيز استقلالية الهيئات التنظيمية، وليس تجميدها، والسعي لتحقيق كفاءة أعلى وتغطية أوسع، حيث تصل نسبة التغطية بالتأمين الصحي في بعض هذه الدول إلى أكثر من 95% من السكان.
الخاتمة تكمن في أن التجميد نفسه ليس الحكم، بل هو محك لجدية الإصلاح. النجاح سيقاس بقدرة الدولة على تحويل هذه الخطوة إلى فرصة لإعادة بناء مجلس جديد، مستقل مالياً وإدارياً، ذي صلاحيات حقيقية، ومرتبط بمجلس الوزراء لضمان نفوذ قراراته. هذا المجلس يجب أن يكون قادراً على قيادة وتوحيد النظام الصحي، وأن يكون حَكَماً نزيهاً بين مصالح مقدمي الخدمة وحقوق المواطنين، وأن يكون العقل الاستراتيجي الموجه لمسار الصحة ضمن خطة التحديث الاقتصادي الشامل. الغاية النهائية هي نظام صحي متكامل وعادل ومستدام، يضمن رعاية صحية جيدة لكل مواطن دون إفلاس، وذلك من خلال ربط الإصلاح المؤسسي بأهداف قابلة للقياس، مثل خفض نسبة الإنفاق من الجيب على الصحة (التي تتجاوز 30% حالياً)، وضمان إتاحة الأدوية الأساسية بنسبة 100% في جميع المراكز الصحية، وتحسين مؤشرات الرضا عن الخدمات الصحية بشكل ملحوظ خلال سنوات قليلة.
في خضم جهود إصلاح القطاع الصحي الأردني، وفي وقت تسعى فيه خطة التحديث الاقتصادي الى إعادة هيكلة القطاع الصحي يبرز قرار معالي وزير الصحة السابق بتجميد المجلس الصحي العالي كخطوة كانت وما زالت مثيرة للجدل، اذ يطرح هذا القرار سؤالاً جوهرياً: هل هو خطوة تكتيكية نحو إعادة هيكلة حقيقية وإصلاح أعمق، أم مخاطرة مؤسسية تعمق أزمة التشتت القائمة التي يعاني منها النظام الصحي في الاردن وإضعاف لمؤسسة من المفترض أن تكون حجر الزاوية في توحيد هذا القطاع شديد التشتت والتشرذم؟
يعاني النظام الصحي في الأردن من تشتت تاريخي واضح، حيث تتداخل صلاحيات وزارة الصحة والخدمات الطبية الملكية والتأمين الصحي المدني مع التأمين الصحي العسكري والقطاع الخاص، مما يؤدي إلى تضارب في المعايير وازدواجية في الجهود والخدمات المقدمة للمرضى. كما يتسم التمويل بالتفتت، مما يضعف القدرة على الشراء الاستراتيجي ويرفع التكاليف، اذ تشير البيانات إلى أن الإنفاق الصحي في الأردن يبلغ حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا إنفاق عالٍ يقترب من إنفاق دول الاتحاد الاوروبي إلا أن كفاءة هذا الإنفاق تبقى موضع تساؤل كبير بسبب تعدد القنوات وتداخل المسؤوليات. في هذا المشهد المعقد، كان من المفترض أن يكون المجلس الصحي العالي المظلة التنسيقية والتنظيمية العليا التي توحد الجهود وتضع حداً للفوضى المؤسسية، لكن أداءه ظل محدوداً منذ تأسيسه.
الحكم على قرار التجميد لا يمكن أن يكون مطلقاً، بل قد يكون قرار "صواب مشروط" أو "خطأ استراتيجي" بناءً على السياق والرؤية المصاحبة له. يكون القرار صائباً إذا تحققت فيه ثلاثة شروط أساسية: أولاً، أن يكون جزءاً من خطة إعادة هيكلة شاملة وليس إجراءً انفرادياً. ثانياً، أن يكون هناك بديل وظيفي واضح، إما بنقل المهام مؤقتاً إلى هيئات/ جهات قادرة على التنفيذ، أو كخطوة تمهيدية لتشكيل مجلس جديد أكثر قوة واستقلالية. ثالثاً، وضوح الجدول الزمني للإجراء لإنهاء حالة الغموض المؤسسي. أي تأخير في هذه المرحلة الانتقالية قد يزيد من حدة التحديات القائمة نظرا لغياب الاستراتيجيات الوطنية وتشتت الجهود، مثل ارتفاع عبء الأمراض المزمنة (التي تشكل حوالي 70% من أسباب الوفيات حسب تقارير وزارة الصحة) وتحديات التغطية الصحية الشاملة.
في المقابل، سيكون القرار خطأ فادحاً إذا أدى إلى فراغ تنسيقي يشل قدرة النظام على التكامل في وقت حاسم، أو إلى فقدان هيئة استشارية عليا مستقلة قادرة على تقديم الرأي الفني / المشورة القائمة على الأدلة، أو إلى إعاقة التنظيم وتأخير إصدار التشريعات الضرورية لضبط الجودة وحماية المرضى، خاصة مع التوسع المتوقع والتسلط للقطاع الخاص.
تظهر التجارب السابقة أن غياب تنسيق مركزي قوي في القطاع الصحي يؤدي إلى تفاوت كبير في جودة الخدمات بين المناطق (بنسبة قد تصل إلى 40% حسب بعض الدراسات المحلية)، وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية، وإهدار للموارد البشرية والمادية النادرة.
الدور المنشود للمجلس الصحي العالي المُعاد بناؤه ( في حال تم ذلك) يجب أن يكون استراتيجياً وفاعلاً، عليه أن يتحول من هيئة استشارية إلى جهاز تنسيقي تنفيذي مستقل. يجب أن يضطلع بوضع استراتيجية صحية وطنية موحدة وأن يتولى مهمة تنسيق السياسات بين جميع مكونات النظام الصحي والجهات ذات العلاقة، كما يجب أن يضع معايير وطنية لترخيص المنشآت والكوادر ويراقب الجودة والأسعار. ومن الأدوار المحورية التخطيط المركزي للقوى البشرية الصحية لمواجهة نزيف الهجرة (إذ يهاجر سنوياً ما يقارب 300 طبيب وممرض أردني مؤهل)، وأن يتولى مهمة إنشاء منظومة وطنية للرصد والتقييم تقود القرارات المستندة على الادلة والبيانات، وتعزيز الشفافية والمحاسبية.
تقدم التجارب الإقليمية دروساً قيمة يمكن الاستفادة منها ، وبعضها كان يطمح في يوم ما التوأمة مع المجلس الصحي العالي الاردني. ففي البحرين، يلعب المجلس الأعلى للصحة دوراً قوياً بصلاحيات تخطيطية ومالية واسعة واستقلال مرتبط بأعلى مستوى.
أما السعودية، فقد فصلت الوظائف عبر هيئات مستقلة مثل "المركز الوطني للرعاية الصحية". وفي الإمارات، نجح نموذج يجمع بين اللامركزية على مستوى الإمارات والتنسيق المركزي على المستوى الاتحادي. هذه النماذج تشير إلى اتجاه إقليمي نحو تعزيز استقلالية الهيئات التنظيمية، وليس تجميدها، والسعي لتحقيق كفاءة أعلى وتغطية أوسع، حيث تصل نسبة التغطية بالتأمين الصحي في بعض هذه الدول إلى أكثر من 95% من السكان.
الخاتمة تكمن في أن التجميد نفسه ليس الحكم، بل هو محك لجدية الإصلاح. النجاح سيقاس بقدرة الدولة على تحويل هذه الخطوة إلى فرصة لإعادة بناء مجلس جديد، مستقل مالياً وإدارياً، ذي صلاحيات حقيقية، ومرتبط بمجلس الوزراء لضمان نفوذ قراراته. هذا المجلس يجب أن يكون قادراً على قيادة وتوحيد النظام الصحي، وأن يكون حَكَماً نزيهاً بين مصالح مقدمي الخدمة وحقوق المواطنين، وأن يكون العقل الاستراتيجي الموجه لمسار الصحة ضمن خطة التحديث الاقتصادي الشامل. الغاية النهائية هي نظام صحي متكامل وعادل ومستدام، يضمن رعاية صحية جيدة لكل مواطن دون إفلاس، وذلك من خلال ربط الإصلاح المؤسسي بأهداف قابلة للقياس، مثل خفض نسبة الإنفاق من الجيب على الصحة (التي تتجاوز 30% حالياً)، وضمان إتاحة الأدوية الأساسية بنسبة 100% في جميع المراكز الصحية، وتحسين مؤشرات الرضا عن الخدمات الصحية بشكل ملحوظ خلال سنوات قليلة.