وجهات نظر

عشوائية النفايات .. خسارة باهظة

عشوائية النفايات ..  خسارة باهظة


لم تعد عشوائية رمي النفايات سلوكاً فردياً خاطئاً فقط بل مشهد بصري مزعج، في أطراف المدن والطرق، وتحولت إلى مشكلة اقتصادية حقيقية تثقل كاهل الدولة، وتستنزف مواردها، وتؤثر سلبا على قطاعات حيوية يفترض أن تكون رافعة للنمو والتنمية، فكيف نهزم هذه الظاهرة ونتغلب عليها؟.

الاقتصاد الوطني لا يتضرر من "الأزمات الإقليمية" أو التحديات فقط، بل يتأثر أيضا بممارسات يومية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها باهظة الكلفة في نتائجها. رمي النفايات في غير أماكنها يعني زيادة الإنفاق الحكومي على أعمال التنظيف، وصيانة البنية التحتية، ومعالجة التلوث، بدلا من توجيه هذه الأموال لمشاريع إنتاجية أو خدمية أكثر إلحاحا.

ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن القطاع السياحي، أحد أبرز أعمدة الاقتصاد الوطني، فالصورة الذهنية لأي دولة تبدأ من نظافة شوارعها، ومواقعها الطبيعية، ومداخل مدنها، ما يجعل من انتشار النفايات بالأماكن العامة له انعكاسات مباشرة على قرار السائح، ويؤثر على مدة إقامته وإنفاقه، ما يعني خسائر غير مباشرة للمنشات السياحية، والعاملين فيها.

ولا يتوقف الامر هنا فقط، فالزراعة والثروة الحيوانية ليستا بمنأى عن هذه المشكلة، إذ يؤدي تلوث التربة والمياه إلى تراجع الإنتاج، وارتفاع كلف المعالجة، وانخفاض جودة المنتجات، وهو ما ينعكس على الأمن الغذائي وعلى القدرة التنافسية للمنتج المحلي.

الجهود الحكومية الأخيرة للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات تأتي كرسالة واضحة بأن النظافة ليست ترفا خدميا، بل أولوية وطنية، فالعمل على برنامج تنفيذي متكامل، يقوم على التوعية، وتحسين البنية التحتية، وتطبيق القانون، يعكس فهما عميقا بأن معالجة هذه الظاهرة تتطلب استدامة في الجهد، لا حملات موسمية عابرة.

الأهم اليوم التركيز على المدارس، والجامعات، ودور العبادة، في معركة وعي وسلوك، قبل أن تكون معركة أدوات ورقابة، فبناء "ثقافة مجتمعية" تحترم المكان العام هو استثمار طويل الأمد في الاقتصاد، لأنه يخفف الكلف، ويحسن البيئة الاستثمارية، ويرفع جودة الحياة.

خلاصة القول، الحد من عشوائية النفايات ليس شأناً بيئياً فحسب، بل قرار اقتصادي وطني، يعزز صورة الدولة، ويحمي مواردها، ويدعم قطاعاتها الحيوية، ويؤكد أن الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة هو ما يصنع الفارق في مسار التنمية الكبرى، ولهذا فليبدأ كل منا في نفسة وبيته وشارعه ومدينته .