ديني

الحكمة من مشروعية التيمم

الحكمة من مشروعية التيمم

للعلّم - تعويد النفس على الطاعة، وعدم ترك العبادات: دائمًا ما تكون النفس البشريَّة مُنساقة إلى الكسل وعدم النشاط، لهذا السبب شرّع الله -عز وجل- فكرة التيمم، للتخلّص من الكسل والحث على الطاعة، وأداء العبادات كما أمرنا بها الله تعالى.

وبذلك تعتاد النفس البشريَّة المسلمة على أداء فروض الصلوات، والالتزام بأوقاتها مهما كانت الظروف، فـلا يوجد حجة أو عُذر لعدم توافـر الماء، بل يمكن التيمم وأداء الصلاة، وتكـون صلاة صحيحة ومقبولة إن شاء الله.

أخذ المسلمين للعبرة: قد يشعـر المسلم عند اللجوء إلى التيمّم بمدى أهمية المياه، وضرورة وجودها، كذلك يأخذ العبرة من التيمم ليتذكر أنّـه مخلوقًا من تراب، ومهما طال به الزمن سيعود مجددًا إلى التراب.


إذ يمتثل العبد عند أداء التيمم إلى أوامر الرحمن، مُسلمًا بها دون اعتراض، ولا سيما شعور العبد بالافتقار إلى الله عند التيمم، ولعل هذا الأمر من أحب العبادات إلى الله.

توافر التراب بكثرة: شرّع الله -عز وجل- أمر التيممّ وتم تخصيص التراب، نظرًا لتوافره ووجوده بكثرة في أيّ مكان، وذلك أيضًا لتسهيل الأمر على المسلمين، وعدم المشقة من أجل أداء التيممّ.

ونجد أيضًا أنّ الله -عز وجل- قد أمرنا بالتيمّم لعدد محدود من أعضاء الجسم، وذلك بخلاف الوضوء بالماء، وهذا كله تخفيفًا على العبد، وتسهيلاً لـ أداء الصلاة.

تفضـيل المسلمين عن غيرهم من الأمم: لم يتم تشريع التيممّ سوى لأمّـة الإسلام والمسلمين، حيثُ فضّل الله خلقه من المسلمين عن غيرهم، وقد ذُكر عن نبي الله محمد -صلى الله عليه وسلم- قال:

“أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ مِنَ الأنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لي الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأَيُّما رَجُلٍ مِن أُمَّتي أدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغَنَائِمُ، وكانَ النبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ”.

مشروعية التيمم في السنَّة
جاء فـي السنّة عن مشروعيَّة التيمم قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم ” فُضِّلنا على النَّاسِ بثلاثٍ: جُعِلتْ صُفوفُنا كصفوفِ الملائكة، وجُعلَتْ لنا الأرضُ كلُّها مسجدًا، وجُعلَت تُربتُها لنا طَهورًا إذا لم نجِد الماءَ”.

كما وردَ عن أبي هريرة أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال “فُضِّلت على الأنبياءِ بسِتٍّ: أُعطيتُ جوامعَ الكَلِم، ونُصِرْتُ بالرُّعب، وأُحلَّتْ لي الغنائِمُ، وجُعِلَت لي الأرضُ طَهورًا ومسجدًا، وأُرسلتُ إلى الخَلقِ كافَّةً، وخُتم بي النبيُّونَ”.

تعريف التيممّ
يُعرف التيممّ بالتعبد إلى الله بقصد الطهارة، وذلك بمسح الوجه واليدين.

حيثُ شرّعَ الله تعالى أداء التيممّ في حال عدم توافر المياه من أجل الوضوء، وقد ثبُتَ ذلك بقول الله تعالى:

{وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

دعاء التيمم
لم يرد عن التيمم دعاء مُخصص يلازمـه، لكن قال بعض الفقهـاء أنّـه يُستحب ذِكر الشهادتين ونطقهما عند أداء التيممّ.

إذ وردَ عن الخطيب الشربيني في كتابه “يعني بـنطق الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله”.

حديث التيمم
عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “التيمُّم ضربتانِ: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المِرْفَقينِ”.

قال الفقهـاء وغيرهم من أهل العلم، أنَّ هناك الكثير من الأحاديث التي قد وردت حول التيمم، وأنها غير صحيحة أو بمعنى أدق “ضعيفة”، ولكن ما يصح فيها هو حديث كلاً من “أبي جهيم، وعمار”.

حيثُ جاء في حديث أبي جهيم ضرب اليدين بالتراب إجمالاً، كذلك جاء في حديث عمّار لفظ الكفين، وبذلك يكون حديث عمار مكملاً وموّضحـًا لحديث أبي جهيم، وغيرهم من الأحاديث هي أحاديث ضعيفة الإسناد.

شروط التيمم
فقدان الماء.
العجز عن استعمـال الماء.
دخول وقت الصَّلاة المُتيمَّم لها.
طهارة ما يُتيمَّم به.
فقدان الماء: لـعل الشرط الأول من شروط قبـول التيمم هو فقدان الماء حقيقةً، وعدم تواجده، وذلك تبعًا لقول الله تعالى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.

العجز عن استعمـال الماء: قد يعجز العبد أحيانًـا عن استخدام الماء الموجود، نتيجة البرد، أو الخوف أو حتى المرض، وفي هذا الأمر أيضًا أجاز الله -عز وجل- وجوب التيمُّم، كما اتفقت جميع المَذاهِبِ الأربَعةِ “الحنفيَّة، المالكيَّة، الشَّافعيَّة، الحنابلة” على ذلك.

كما وردت الأدلة على ذلك قول الله -عز وجل- {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}، {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ}، {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}.

دخول وقت الصَّلاة المُتيمَّم لها: لم يتفق أهل العلم والفقهـاء في هذا الأمر، إذ جاء قول مذهب “المالكيَّة، الشَّافعيَّة، الحنابلة” على أنّه يُشتَرَطُ دخولُ الوقت للتيمُّم” والدليل من قول الله -عز وجل- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ… فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا}.

بينما جاء مذهب الحنفيَّة أنّه لا يُشترَطُ دخولُ وقت الصلاة للتيمُّم، واعتمد فقهاء المذهب على قول الله -عز وجل- {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.

طهارة ما يُتيمَّم به: يُقصد بذلك أن يكون التراب المستخدم في التيمم ترابًا طاهرًا، فلا يحمل شيئًا من القذارة أو النجاسة، وذلك وفقًا لما قاله الله تعالى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.

مبطلات التيمم
وجود الماء.
القدرة على استعمال الماء.
وجود الماء: أجمع الفقهـاء على بُطـلان التيمم في حال وجود الماء، وذلك إذا وجدت الماء قبل الصلاة أو أثناء الصلاة، أو تواجد الماء بعد أداء الصلاة ولكن قبل خروج الوقت.

وذلك لأنَّ التيمُّمَ لا يرفع الحدث، ولكنه شُرّع كـ طهارة من أجل غاية وهدف، ولكن بمجرد تواجد الماء فيُفضّل الوضوء بدلاً من التيمم.

القدرة على استعمال الماء: إذا كان العبد قادرًا على استعمال الماء، ولا وجد ما يمنعه من ذلك، وأصرَّ على التيممّ أيضًا فهذا ما يُبطل التيمم تمامًا، وأجمع على ذلك القول كلاً من شمسُ الدِّين ابنُ قدامة، وابنُ تيميَّة.

لماذا التيمم الوجه والكفين فقط
لأنّ عادة العرب وضع التراب على رؤوسهم في حالات الحزن.

قـال أهل العلم أنَّ تخصيص أداء التيممّ بالوجه والكفين فقط، دونًا عن بقية أجزاء الجسم كما يحدث في الوضوء، لأنّ عادة العرب وضع التراب على رؤوسهم في حالات الحزن.

أمّا عن عدم تيممّ الرجلان يرجـع إلى أنّ محل الرجلان هو التراب، كما جاء في محاسن الشريعة أنَّ وضع التراب على الرأس علامة على فراق الأحبَّـة، والله عز وجل هو حبيب العبد المسلم، ولا يمكن أن يكون بين العبد وربه فرقة، والله أعلى وأعلم.