ديني

الفتوى بغير علم أمر محرم

الفتوى بغير علم أمر محرم

للعلّم - نعم الفتوى بغير علم أمر محرم لأن مرتبة المفتي لا يصلح لها إلا رجل قد اتصف بالعلم والمعرفة والخوف من الله.

كما أن الإفتاء بغير علم وحسب الهوى هو من قبيل افتراء الكذب على الله، وقد قال الله تعالى في الترهيب من افتراء الكذب عليه في القرآن الكريم “{وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}.


وقد نهى الله تعالى عز وجل المسلمون من أن يفتوا بغير علم ويقولوا عن الله ما لا يعلمون وبين أن هذا فيه افتراء على الله الكذب وإضلال للناس في قوله تعالى في القرآن الكريم {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

الصفات التي يجب توافرها في المفتي

يتم تعريف المفتون بأنهم الموقعون عن الله عز وجل، فقد ورد عن الإمام النووي في كتابه “آداب المفتي للنوي” ما يلي “الْإِفْتَاءُ عَظِيم الْخَطَرِ، كَبِيرُ الْموقع، كثيرُ الْفضل، لِأَن الْمُفْتِي وَارِثُ الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم، وقائمٌ بِفَرْض الْكِفَايَة، لكنه مُعَرَّضٌ للخطأ، وَلِهَذَا قَالُوا: الْمُفْتِي مُوَقِّعُ عَن الله تَعَالَى”، مما أوجب أن يكون في من يتولون أمور الفتوى صفات خاصة، وهذه الصفات تتمثل فيما يلي:

يجب أن يكون محصلًا لقدر عظيم من العلم.

لابد من أن يكون رجلًا قد عُرف عنه الصدق والنزاهة.
يجب أن يتصف بالعدالة والمروءة.
لا بد أن يكون معروفًا بأنه رجل لا يخشى في الله لومة لائم.
يجب أن يكون ممتلكًا لأسلوب آسر وساحر يحبب السامعين في الدين ولا ينفرهم منه.
حكم الكذب على الله تعالى
يُحكم بكفر من يكذب على الله عز وجل متعمدًا.

وهذا لقول الله عز وجل في القرآن الكريم {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}[3]، وقد جمع الله في الآية الكريمة بين الشرك بالله والكذب عليه، مما يدل على أن الكذب المتعمد على الله لا يختلف عن الشرك به، ومن أنواع الكذب على الله تعالى عز وجل ما يلي:

نسبة ما لا يليق من الصفات له.
التحريف في أحكام الدين أو التحريف في القرآن.
التحليل والتحريم بالهوى.
نسبة ما لا يليق له من الأقوال أو من الأفعال.
حكم الكذب على الرسول

إن الكذب على رسول الله ﷺ يدخل في حكم الكذب على الله عز وجل.

وهذا لأن الكذب على رسول الله ﷺ يقتضي التحريف في أحكام الدين أو التحليل والتحريم بغير علم، وقد توعد رسول الله ﷺ من يكذبون عليه بعذاب النار فيما نقل عنه في السنة النبوية المطهرة أنه قال “من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار”

هل المفتي بغير علم يحمل إثم المستفتي
نعم المفتي بغير إثم يحمل إثم المستفتي إذا فعل المستفتي أمرًا حرامًا بناءًا على الفتوى.


ففيما ورد عن رسول الله ﷺ في السنة النبوية المطهرة أنه قال “مَنْ أُفْتِىَ بِغيرِ عِلمٍ كان إثْمُهُ على مَنْ أفْتاهُ”، وهذا يدل دلالة واضحة أن من أفتى بغير علم فتوى تسببت في أن يضل شخص آخر حمل إثم هذه الفتوى، ولذلك فقد ورد عن الإمام مالك أنه قال “من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار”.

خطر الفتوى بغير علم
لقد حذر رسول الله ﷺ من خطر الفتوى بغير علم نظرًا لأنها تتسبب في إضلال المسلمين، فقد ورد عنه ﷺ في السنة النبوية المطهرة أنه قال “إنَّ اللَّهَ لا يقبِضُ العِلمَ انتزاعًا ينتزِعُهُ من صُدورِ الرِّجالِ، ولكن يقبِضُ العِلمَ بقبضِ العلماءِ، فإذا لم يَبْقَ عالِمٌ اتَّخذَ النَّاسُ رؤُساءَ جُهَّالًا فَسُئلوا فأفتَوا بغيرِ عِلمٍ فضَلُّوا وأضَلُّوا”، وفي الحديث ما يدل على أن الفتوى بغير علم تتسبب غالبًا في إضلال المستفتي.

كما أن الله عز وجل قد قرن وسوسة الشيطان للإنسان ورغبته في إهلاك البشر ودفعهم إلى الشرك بالله بالفتوى بغير علم، فقد قال الله عز وجل في قرآنه الكريم {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ -إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}.

استفت قلبك ولو أفتاك الناس وأفتوك
إن الحديث المشهور الذي أرشد فيه رسول الله ﷺ الصحابي وابصة رضي الله عنه باستفتاء القلب وإن أفتاه المفتون نصه الكامل هو “يَا وَابِصَةُ اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ”، وفي هذا الحديث ما يدل على أن الإنسان إذا ما أفتى له أحد الأشخاص بشيء ولكنه يشعر في قرارة نفسه بأن هذا الشيء خطأ فينبغي عليه أن يدع الفتوى ويعمل بما يشعر به.

لكن مع ذلك فيجب على المسلم أن يلتزم بإجماع العلماء وأن لا يشكك في المعلوم من الدين بالضرورة، كما أنه يجب على المسلم أن لا يتخذ هذا الحديث ذريعة للتحريم أو التحليل بالهوى، كما أنه يجب أن يمتنع الإنسان عن استفتاء قلبه إذا كان يعرف في نفسه ميلًا للهوى أو حبًا لفعل المنكرات، لذلك فإن استفتاء القلب يكون للشخص نقي القلب تقي النفس، فصاحب النفس الميالة للهوى إذا استفتى قلبه عن المنكرات فسيفتيه بأنها حلال.