ديني

هل يجوز وسم الابل على الوجه؟

هل يجوز وسم الابل على الوجه؟

للعلّم - نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وسم الابل على الوجه. وكذلك وسم وجه أي دابّة أخرى، مثل البقر أو الغنم أو الماشية.

وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من يسِم الدابة أو الإبل في الوجه؛ فيُذكر أنّ النبي قد مُرَّ عليه بحمارٍ قد وُسِمَ وجهه. فقال: لعن الله من وسَمَهُ. وفي ذلك يروي أبي داود قولُ النبي: “أما بلغكم أني لعَنتُ من وَسَمَ البهيمة في وجهها أو ضربها في وجهها”.

كما يُستدل على نهي النبي عن وسم الدابة في الوجه من رواية مُسلمٍ عن جابر رضي الله عنه. حين قال: “نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الضربِ في الوجه، وعن الوَسْمِ في الوجه”. والوسم هو الكيّ بالنار، ومعناهُ تحديد الموسوم بعلامةٍ يتم تعريفه بها.

ما حكم وسم البهيمة في وجهها

حكم وسم البهيمة في وجهها هو التحريم.

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وسم الدابة في الوجه، مبينًا أنّ الله يلعن من يفعل ذلك. وقد وضّح النبي أنّ وسم البهيمة في الوجه حرامٌ إن كان بغرض تعذيب الحيوان بالنار؛ فالوسْم هو الكيّ بالنار. وقد ثبت عن أبي حنيفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم وكراهيته لتعذيب الحيوان.


ويؤكد ذلك أيضًا قول الإمام النووي: “وأمّا الوسم في الوجه، فمنهيٌ عنه بالإجماع لحديث النبي”. وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم العبّاس، وهو يسِم إبله في وجهها، فقال: يا عباس، لا تَسِم في الوجه. فقال العباس: والله لا وسِمتُها بعد هذا إلّا في الجاعرتين.

ولا يجوز وسم الإبل أو الدابّة أو البهيمة في وجهها؛ ذلك أنّ بالوجه قِوامَ الدابّة. وهو مقرُّ حُسن مخلوقات الله فلا يجوز تشويهُه. كما أنّ وجه الدابّة أو البهيمة يحوي معظم حواسها، كالبصر والتذوق. لذلك فإنّ وسم وجه الدابّة من إبلٍ أو ماشية أو أغنام، قد يكونُ فيه إيذاءٌ للعينين والفم والأسنان واللسان. ما قد ينتج عنه فقد أو تعطيل حاسّة من هذه الحواس أو تشويه خِلقَة الحيوان. وبذلك فلا يجوز وسم الدابّة أو الحيوان في الخدّ، أو الخشم، أو الأنف، أو الجبهة، فكُلُها من الوجه.


متى يجوز وسم البهائم
يجوز وسم البهائم أو الابل أو الدواب لتمييزها وربطها بجماعتها أو قبيلتها.
كما يُستحب وسم ماشية الزكاة والجزية، كما يذكُر الماوردي.
وفي رواية مُسلمٍ عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: رأيتُ في يدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسِم، وهو يَسِمُ إبل الصدقة والفيء وغير ذلك. حتى يُعرَفَ كُلُّ مالٍ فيؤدَّى في حقِّه، ولا يُتجاوز به إلى غيرِه. ويتّضح من رواية أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبي كان يسِم إبل الصدقة.


ويشرح ذلك أبو داود فيقول بجواز وسمِ الدواب والماشية، إن كان ذلك بغرض تمييزها. فيكون لكل قبيلة أو جماعة علامة وسم خاصة بهم لمعرفة دوابهم وماشيتهم. ورغم أنّ في ذلك بعضُ الإيذاء للحيوان، إلّا أنّه من الأشياء ذات الفائدة التي جاءت سُنّة عن رسول الله. وقد فعله الأئمة والصحابة أيضًا.

حكم وسم الحيوان في غير الوجه
يجوز وسم الدواب والماشية في غير الوجه، مثل الأذن أو الرقبة أو العضد أو الفخذ.

ويُحدِّد القرطبي حدود الوجه كما جاء في “الجامع لأحكام القرآن” بقوله: “الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة، وحدّه في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين، ومن الأذن إلى الأذن في العرض”. ووجهُ الحيوان ما يشمل العينين والأنف والفم، وما يعلو فوق العينين حتى الوصول للرأس، وكذلك ما يقع بين الأذنين. أمّا الأذن فهي من الرأس وليس الوجه ويُمكن الوَسم عليها.


كما يُبيِّن الإمام النووي أماكن الوَسْم الجائزة للدابّة أو البهيمة بقوله: “يُستحّب أن يسم الغنم في آذانها، والإبل والبقر في أصول أفخاذِها؛ لأنّه موضِعٌ صلب، فيقِلُ الألم فيه ويخِفُ شعره، فيظهر الوَسْم، وفائدة الوَسْم تمييز الحيوان بعضه عن بعض”. ومن ذلك يتضِّح أنّه يجب اختيار الموضع الصلب وقليل الشعر من بدن الدابّة أو الماشية؛ فيكون الفخذ في الإبل والأبقار والماشية. أمّا في الغنم فيكون الوسم رقيقًا على أصول الأذن؛ وذلك لأنّ الأغنام ضعيفة ولا تتحمّل الألم، كما أنّ شعر الغنم في غالب بدنها يغطي الوسم، فيما عدا الأذن يكون فيه الوسم واضحًا.

وقد روى حفصٌ بن عُمر، عن شعبة عن هشام بن زيد، عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنهم أن قال: “أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم بأخٍ لي حين وُلِد ليحنكه، فإذا هو في مربدٍ يَسِمُ غَنَمًا. أحسبه قال: في آذانها”. كما روى ابن عيينة عن عاصم بن مسعد بن نقادة عن جدِّه نقادة الأسدي أنّه قال: “يا رسول الله، إني رجلٌ مغفل، فأين أسِم؟ قال النبي: في موضع الجرم من السالفة” والسالفة هي بداية العُنق.


وقد أحبّ الإمام الشافعي الاقتداء بالسلف بوسم الدواب باسم الله، أو صدقة أو طهرة، وذلك إن كانت من الصدقات. أمّا إن كانت الدواب للجزية فيُكتَب إمّا جزية أو صغارًا. وقد روي عن النبي النهي عن المثلة، أي التمثيل بالحيوان أو تشويه خِلقَتُهُ، ومن ذلك جذع أنوف الدواب أو قطع آذانها.

حكم قطع آذان البهائم
يُحرم قطع آذان البهائم أو الأنعام أو جزء منها، ففي ذلك تعذيبٌ لها، وهو ما نهى عنه الإسلام.


تحرص تعاليم الإسلام على الرأفة بالحيوان والإحسان في التعامل معه حتى في الذبح، ونهى عن إيذاء الدواب والبهائم أو الحيوانات كافةً. يقولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِبحة، وليحدّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحتُهُ” رواهُ مُسلم.

ومن الأدلة على تحريم تعذيب الحيوان وقطع آذان الأنعام والدواب، قول الله عز وجلّ في كتابه الكريم: “وَإِن يَدْعُونَ إلّا شيطانًا مَّرِيدًا*لَّعَنَهُ الله وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا*وَلأُضِلَّنّهُمْ وَلأُمَنَّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبتَكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله” [سورة النساء، الآيات 117:119]


ويظهر في قوله تعالى ” وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبتَكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ” أنّ الله حرّم قطع آذان الأنعام، وكذلك قطع أذن الدواب أو البهائم بلا غرض، فهو أيضًا لا يجوز. ومن ذلك المُنطَلَق، أمر النبي صلى الله عليه وسلم “أن نستشرف العين والأذن، ولا نُضحِّي بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء”. و(المقابلة) هي البهيمة المقطوع طرف أذنها، و(المدابرة) هي المقطوع نهاية أذنها، و(الشرقاء) مشقوقة الأذن طوليًا، و(الخرقاء) ذات خرق الأذن المستدير. ويتضِّح من ذلك أنّ العيوب الظاهرة في أذن الحيوان يجب مراعاتها عند التضحية به باجتماع العلماء.

يجدر الذكر أنّه يتم استثناء الإشعار والوسم في غير الوجه، من حُكم التحريم بإيذاء الحيوانات، مثل الدواب أو البهائم أو الماشية. والإشعار يتم للإبل والبقر التي لها أسنمة، أمّا الوسم فهو الكي بالنار لتمييز الحيوان حتى يُعرَف أهله.